في خطوة إنسانية بالغة الأهمية، نجحت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) يوم الثلاثاء في إدخال شحنة من الأدوات المدرسية والتعليمية إلى قطاع غزة، لتكون هذه المرة الأولى منذ عامين التي تتمكن فيها المنظمة من تحقيق ذلك، بعد أن كانت السلطات الإسرائيلية تمنع دخول هذه المواد الأساسية.
وأفادت المنظمة في بيان لها أن الآلاف من الأدوات الحيوية، التي تشمل أقلام الرصاص والدفاتر والمكعبات الخشبية المخصصة للعب والتنمية، قد وصلت الآن إلى القطاع المحاصر. وأوضحت المتحدثة باسم اليونيسف، جيمس إلدر، أن المنظمة تتطلع إلى إدخال 2500 مجموعة مدرسية إضافية خلال الأسبوع القادم، بعد حصولها على الموافقات اللازمة، مما يعكس التزامها المستمر بدعم تعليم الأطفال في غزة.
يأتي هذا الإنجاز في ظل أزمة إنسانية خانقة يعيشها قطاع غزة منذ سنوات طويلة، تفاقمت بشكل كبير جراء الحصار المستمر والعمليات العسكرية المتكررة. وقد أثر هذا الواقع المرير بشكل مباشر على جميع جوانب الحياة، بما في ذلك الحق الأساسي للأطفال في التعليم. فالحصار المفروض على القطاع، والذي بدأ في عام 2007، أدى إلى قيود مشددة على حركة الأفراد والبضائع، بما في ذلك المواد الأساسية مثل مواد البناء، والأدوية، وحتى الأدوات التعليمية، التي كانت تُصنف أحيانًا ضمن قائمة المواد “ذات الاستخدام المزدوج” أو تُمنع لأسباب أخرى، مما حرم أجيالاً من الأطفال من أبسط مقومات التعلم.
وقد أكدت إلدر أن أطفال غزة عانوا بشدة من الهجوم غير المسبوق على المنظومة التعليمية، والذي شمل تدمير المدارس والبنى التحتية التعليمية، إلى جانب القيود المفروضة على دخول مواد المساعدات الحيوية، بما في ذلك الكتب المدرسية وأقلام الرصاص. هذه الظروف القاسية أجبرت المعلمين على الاعتماد على موارد محدودة للغاية، بينما يضطر الأطفال إلى محاولة الدراسة في ظروف صعبة للغاية، أحيانًا في خيام مؤقتة ودون إضاءة كافية، مما يعيق قدرتهم على التعلم والتطور بشكل طبيعي.
إن توفير الأدوات المدرسية ليس مجرد دعم لوجستي، بل هو بصيص أمل يعيد بعضًا من مظاهر الحياة الطبيعية لأطفال غزة الذين يعيشون تحت وطأة الصراع. فالتعليم يمثل حجر الزاوية في بناء مستقبل أي مجتمع، وهو ضروري لتنمية الأطفال النفسية والاجتماعية والمعرفية. في بيئة النزاع، توفر المدارس والمواد التعليمية مساحة آمنة للأطفال، وتساعدهم على التعامل مع الصدمات، وتمنحهم شعورًا بالاستقرار والروتين، وتفتح لهم آفاقًا لمستقبل أفضل بعيدًا عن دائرة العنف واليأس. هذه الشحنة، وإن كانت رمزية، تحمل رسالة قوية بأن العالم لم ينسَ أطفال غزة وحقهم في التعلم والنمو.
وفي سياق التحديات الإنسانية المتفاقمة في القطاع، لا يزال الفلسطينيون، وخاصة المرضى والجرحى، ينتظرون بفارغ الصبر إعادة فتح معبر رفح، الذي يُعد شريان الحياة الرئيسي لقطاع غزة وبوابته الوحيدة إلى العالم الخارجي. إن إغلاق هذا المعبر الحيوي يفاقم من معاناة السكان، ويشل حركة المساعدات الأساسية، ويمنع آلاف المرضى من الحصول على العلاج المنقذ للحياة خارج القطاع.
وقد حذرت وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة، مرارًا وتكرارًا، من العواقب الكارثية لاستمرار إغلاق معبر رفح أمام حركة المرضى والجرحى، مؤكدة أن ذلك يهدد حياة الآلاف منهم بشكل مباشر. وأشارت الوزارة إلى وجود نحو 20 ألف مريض يحملون تحويلات طبية مكتملة وينتظرون السماح لهم بالسفر لتلقي العلاج خارج القطاع، منهم 440 حالة مصنفة كحالات إنقاذ حياة تتطلب تدخلاً عاجلاً.
الأرقام الصادمة التي كشفت عنها الوزارة تشير إلى وفاة 1268 مريضًا أثناء انتظارهم السماح بالسفر، مما يسلط الضوء على حجم الكارثة الإنسانية. كما أن مرضى الأورام يُعدون من بين الفئات الأكثر تضرراً نتيجة النقص الحاد في الأدوية والخدمات التخصصية داخل القطاع. ويضم سجل الانتظار العاجل نحو أربعة آلاف مريض سرطان، بالإضافة إلى 4500 طفل لديهم تحويلات طبية، بينما لم يتمكن سوى 3100 مريض فقط من مغادرة القطاع منذ إغلاق المعبر في مايو 2024، مما يؤكد الحاجة الملحة لتدخل دولي عاجل لضمان فتح المعبر وتدفق المساعدات وحركة المرضى.
إن هذه التطورات، سواء المتعلقة بإدخال الأدوات المدرسية أو استمرار إغلاق المعابر، تسلط الضوء على الحاجة الملحة لضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق إلى جميع المحتاجين في غزة، وفقًا للقانون الإنساني الدولي. فحق الأطفال في التعليم والصحة هو حق غير قابل للتصرف، ويجب على المجتمع الدولي أن يواصل الضغط لرفع جميع القيود التي تعيق توفير هذه الحقوق الأساسية، لضمان مستقبل أفضل لأطفال غزة الذين يستحقون العيش بكرامة وأمل.


