أكد المشاركون في منتدى مكة للحلال 2026 أن المعايير الموحّدة تمثل ركيزة استراتيجية أساسية للنمو العالمي لقطاع الحلال، خاصة في ظل التوسع المتسارع وتعدد المرجعيات التنظيمية. شددوا على أن تقليص التباين بين الدول يعزز الثقة ويسهل انسيابية التجارة الدولية، مما يفتح آفاقاً جديدة للتعاون الاقتصادي والتنمية المستدامة.
تُعد صناعة الحلال قطاعاً اقتصادياً ضخماً ومتنامياً، لا يقتصر على الأغذية والمشروبات فحسب، بل يمتد ليشمل مستحضرات التجميل، الأدوية، الخدمات المالية، السياحة، والخدمات اللوجستية. يقدر حجم هذا السوق بتريليونات الدولارات، مدفوعاً بالعدد المتزايد للمسلمين حول العالم، والذي يتجاوز 1.8 مليار نسمة، بالإضافة إلى تزايد الوعي لدى المستهلكين غير المسلمين بالمنتجات الحلال كخيار صحي وأخلاقي. تعكس كلمة “حلال” في الإسلام مفهوماً شاملاً يتجاوز مجرد الذبح الشرعي، ليشمل معايير الجودة، السلامة، النظافة، والالتزام بالمبادئ الأخلاقية في جميع مراحل الإنتاج والتوريد.
بالرغم من الإمكانات الهائلة، تواجه صناعة الحلال تحديات كبيرة أبرزها التجزئة وغياب التوحيد في المعايير والشهادات. يؤدي هذا التباين إلى تعقيدات في التجارة البينية، وزيادة في التكاليف التشغيلية، وصعوبة في الاعتراف المتبادل بين هيئات الاعتماد المختلفة. هذه التحديات لا تؤثر فقط على كفاءة سلاسل الإمداد العالمية، بل قد تثير أيضاً شكوكاً لدى المستهلكين حول مدى التزام المنتجات بمعايير الحلال الحقيقية، مما يستدعي ضرورة ملحة لوضع إطار موحد يضمن الشفافية والموثوقية.
وفي هذا السياق، أوضح الأمين العام للغرفة الإسلامية للتجارة والتنمية، يوسف خلاوي، أن توحيد المعايير المهني يجب أن ينبع من داخل المنظومة الاقتصادية عبر تبني طوعي لنموذج عمل منظم قبل الإلزام النظامي. مؤكداً أن البيئة التنافسية الواضحة ترفع مستوى المهنية وتعزز ثقة الأسواق، مما يدفع الشركات نحو الالتزام بأفضل الممارسات لضمان جودة منتجاتها وخدماتها الحلال.
من جانبه، بيّن الأمين العام للمنتدى الإسلامي لجهات اعتماد الحلال، بدر العبداللطيف، أن البنية التحتية المتكاملة لجودة الحلال تشمل جهات وضع المواصفات، وتقويم المطابقة، والاعتماد، والقياس والمعايرة. وحذر من أن تعدد المواصفات الوطنية يؤدي إلى اختلاف ممارسات التقويم ويحد من التكامل، مما يعيق تدفق المنتجات والخدمات الحلال عبر الحدود ويقلل من كفاءة السوق.
وأشار مدير ملفات الحلال بمركز الاعتماد الخليجي، عبدالعزيز الصعب، إلى أن المعايير المختلفة بين الدول ترفع تكاليف الإنتاج وتؤثر سلباً في كفاءة سلاسل الإمداد. موضحاً أن دول الخليج تعتمد على مواصفات هيئة التقييس لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ومعايير معهد المواصفات والمقاييس للدول الإسلامية (SMIIC)، مما يبرز أهمية التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال.
إن تبني المعايير الموحّدة للحلال يحمل في طياته فوائد اقتصادية جمة. فهو يسهل التجارة الدولية، ويخفض الحواجز غير الجمركية، ويعزز الصادرات والواردات بين الدول الإسلامية وغير الإسلامية على حد سواء. كما أنه يسهم في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى القطاع، ويخلق فرص عمل جديدة، ويدعم التنمية الاقتصادية الشاملة. هذا التوحيد يضمن أيضاً تكافؤ الفرص بين المنتجين ويحفز الابتكار في تطوير منتجات وخدمات حلال عالية الجودة.
على صعيد المستهلكين، تضمن المعايير الموحّدة أعلى مستويات الثقة والشفافية. فهي توفر ضماناً بأن المنتجات التي تحمل شهادة الحلال قد خضعت لرقابة صارمة وتلتزم بالضوابط الشرعية والصحية والبيئية. هذا يعزز رضا المستهلك ويحميه من المنتجات المشكوك في حلالها، مما يعمق الولاء للعلامات التجارية التي تلتزم بهذه المعايير العالمية.
وأكد المشاركون أن الحوار المؤسسي المستمر يسهم في بناء إطار مرجعي مشترك يدعم تدفق المنتجات، ويتماشى مع مستهدفات رؤية السعودية 2030 لتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني. تسعى المملكة العربية السعودية، من خلال رؤيتها الطموحة، إلى أن تكون مركزاً عالمياً رائداً لصناعة الحلال، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وثقلها الإسلامي، مما يجعل توحيد المعايير جزءاً لا يتجزأ من هذه الاستراتيجية الشاملة.
في الختام، لا شك أن المعايير الموحّدة للحلال ليست مجرد متطلبات فنية، بل هي ركيزة استراتيجية لضمان استدامة ونمو واحترافية صناعة الحلال عالمياً. إنها مفتاح لتعزيز الثقة، تسهيل التجارة، وتحقيق الازدهار الاقتصادي لملايين المستهلكين والشركات حول العالم.


