في خطوة استراتيجية نحو تعزيز الاستدامة المالية والارتقاء بجودة التعليم العالي في المملكة، شهد منتدى الاستثمار في التعليم والتدريب ورشة عمل متخصصة بعنوان «إستراتيجية وحوكمة الاستثمار في الجامعات السعودية». نظمت هذه الورشة الهامة من قبل صندوق التعليم العالي الجامعي، وشهدت مشاركة واسعة من نخبة من الخبراء والمتخصصين في مجالات الاستثمار والحوكمة، كان في مقدمتهم رئيس جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل، الدكتور فهد بن أحمد الحربي.
تأتي هذه الورشة في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المملكة العربية السعودية ضمن رؤية 2030 الطموحة، والتي تهدف إلى تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على النفط، مع التركيز على بناء اقتصاد معرفي مستدام. لطالما اعتمدت الجامعات السعودية بشكل كبير على الدعم الحكومي المباشر، ولكن مع تطلعات الرؤية، أصبح هناك توجه واضح نحو تمكين هذه المؤسسات الأكاديمية من تعظيم مواردها الذاتية وتحقيق الاكتفاء المالي، على غرار كبرى الجامعات العالمية التي تعتمد بشكل كبير على أوقافها واستثماراتها لتمويل البحث العلمي وتطوير البنية التحتية.
ركزت محاور الورشة على استعراض أفضل الممارسات الاستثمارية المتبعة عالمياً ومحلياً، وكيفية تكييفها لتناسب البيئة الجامعية السعودية. كما تناولت بعمق آليات حوكمة الصناديق الاستثمارية ومعايير نجاحها، وهو أمر حيوي لضمان الشفافية والفعالية في إدارة الأموال. ولم يغفل المشاركون مناقشة التحديات التشغيلية والتنظيمية التي قد تواجه قطاع التعليم العالي عند التحول نحو نموذج استثماري أكثر استقلالية، وكيفية التغلب عليها من خلال أطر تنظيمية محكمة وسياسات واضحة.
تضمنت النقاشات أيضاً استعراضاً لنماذج مقترحة لمنظومة الاستثمار الجامعي، مع التركيز على أهمية تجميع الموارد وتأسيس جهة استثمارية مركزية. هذه الجهة، في حال إنشائها، ستلعب دوراً محورياً في رفع كفاءة إدارة الاستثمارات الجامعية وتحقيق أقصى عائد ممكن، مما يضمن الاستدامة المالية على المدى الطويل. إن التحول نحو هذه المنظومة يحمل أبعاداً مالية واقتصادية واجتماعية واسعة؛ فمن الناحية المالية، سيوفر مصادر دخل مستقرة للجامعات، ومن الناحية الاقتصادية، سيسهم في تنشيط القطاعات المرتبطة بالاستثمار، أما اجتماعياً، فسيعزز من جودة الخدمات التعليمية والبحثية المقدمة للمجتمع.
إن أهمية هذا التوجه لا تقتصر على الجانب المالي فحسب، بل تمتد لتشمل تعزيز مكانة الجامعات السعودية على الصعيدين الإقليمي والدولي. فمع توفر الموارد المالية الكافية، ستتمكن الجامعات من استقطاب أفضل الكفاءات الأكاديمية والبحثية، وتطوير برامج دراسية مبتكرة، وتجهيز مختبرات ومراكز بحثية متطورة، مما ينعكس إيجاباً على جودة المخرجات التعليمية والبحثية. هذا بدوره سيسهم في رفع تصنيف الجامعات السعودية عالمياً، ويجعلها وجهة جاذبة للطلاب والباحثين من مختلف أنحاء العالم، مما يدعم هدف المملكة في أن تكون مركزاً عالمياً للمعرفة والابتكار.
اختتمت الورشة بنقاش موسع حول مؤشرات قياس نجاح التحول في منظومة الاستثمار الجامعي، وكيفية تقييم الأداء لضمان تحقيق الأهداف المرجوة. إن دور هذه المنظومة في دعم الجامعات وتمكينها من تعظيم مواردها الذاتية يعد حجر الزاوية في بناء مستقبل مشرق للتعليم العالي، بما يعزز الاستدامة المالية ويرتقي بجودة المخرجات التعليمية والبحثية، انسجاماً تاماً مع مستهدفات رؤية المملكة 2030 الرامية إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح.


