في تصعيد جديد لجهود مكافحة الإرهاب في غرب أفريقيا، أسفرت غارات أمريكية في نيجيريا عن مقتل أكثر من 20 مسلحاً متشدداً في شمال البلاد. وتأتي هذه العملية بعد يوم واحد فقط من عملية مشتركة ناجحة أدت إلى مقتل قيادي بارز في تنظيم “داعش”، مما يعكس تكثيف التعاون العسكري بين واشنطن وأبوجا لاجتثاث جذور التطرف في المنطقة.
وأكدت قيادة الدفاع النيجيرية في بيان رسمي أن عدة غارات جوية دقيقة نُفذت بنجاح، مستهدفة عناصر من تنظيم “داعش – ولاية غرب أفريقيا” (ISWAP)، وهو ما يمثل ضربة قوية للتنظيم الذي يسعى لفرض نفوذه في حوض بحيرة تشاد. وكانت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم) قد أعلنت في وقت سابق عن العملية التي أودت بحياة “أبو بلال المنوكي”، الذي وُصف بأنه الرجل الثاني في هرم قيادة التنظيم على المستوى العالمي، في تأكيد على الأهمية الاستراتيجية للهدف.
خلفيات الصراع وتطور الجماعات المسلحة
لم يظهر التهديد الإرهابي في شمال نيجيريا من فراغ، بل هو نتاج سنوات من التوترات الاجتماعية والاقتصادية وتنامي الفكر المتطرف. بدأت الأزمة بشكل واضح مع ظهور جماعة “بوكو حرام” في عام 2009، التي شنت تمرداً عنيفاً أودى بحياة عشرات الآلاف وشرد الملايين. ومع مرور الوقت، شهدت الجماعة انقساماً داخلياً في عام 2016، لتظهر منها جماعة “داعش – ولاية غرب أفريقيا” (ISWAP) التي بايعت تنظيم “داعش” العالمي، وسرعان ما تفوقت على “بوكو حرام” في التنظيم والتسليح والقدرة على شن هجمات معقدة ضد أهداف عسكرية ومدنية، مما جعلها الخطر الأكبر على استقرار نيجيريا ودول الجوار مثل النيجر وتشاد والكاميرون.
تأثير استهداف القيادات والغارات الأمريكية في نيجيريا
يمثل استهداف قادة الصف الأول في التنظيمات الإرهابية ركيزة أساسية في استراتيجيات مكافحة الإرهاب الحديثة. فمقتل شخصية بحجم “المنوكي” لا يمثل خسارة رمزية فحسب، بل يؤدي إلى إرباك هيكل القيادة والسيطرة، ويقطع خطوط الاتصال والتمويل، وقد يشعل صراعات داخلية على خلافته. وتأتي الغارات الأمريكية اللاحقة لتستغل حالة الفوضى هذه، وتستهدف المقاتلين قبل أن يتمكنوا من إعادة تنظيم صفوفهم، مما يزيد من فعالية العمليات ويضعف قدرة التنظيم على التخطيط لهجمات جديدة. ويعكس هذا التنسيق بين القوات الأمريكية والنيجيرية، الذي يشمل تبادل المعلومات الاستخباراتية والدعم اللوجستي والجوي، تحولاً نوعياً في المواجهة مع هذه الجماعات، وينقل المعركة من مجرد رد الفعل إلى عمليات استباقية هجومية.
إن هذه العمليات المشتركة تحمل في طياتها تأثيراً يتجاوز الحدود النيجيرية، حيث تبعث برسالة قوية إلى الجماعات المتطرفة الأخرى في منطقة الساحل الأفريقي بأن هناك إرادة دولية وإقليمية لملاحقتهم. ومع ذلك، يظل التحدي الأمني قائماً، ويتطلب حلولاً شاملة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أيضاً معالجة الأسباب الجذرية للتطرف عبر التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المناطق المهمشة.


