في فترة شهدت تصاعداً خطيراً للتوترات بين واشنطن وطهران، حذر رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية آنذاك، الجنرال جوزيف دانفورد، الرئيس دونالد ترامب وكبار مسؤولي إدارته من أن شن حملة عسكرية ضد إيران ينطوي على مخاطر جسيمة، قد تقود الولايات المتحدة إلى التورط في “صراع طويل الأمد” ومكلف. جاء هذا التحذير في وقت كانت فيه أصوات داخل الإدارة الأمريكية تدفع بقوة نحو الخيار العسكري.
سياق متوتر وخلفية تاريخية
لم يأتِ هذا النقاش من فراغ، بل كان تتويجاً لسياسة “الضغط الأقصى” التي تبنتها إدارة ترامب بعد انسحابها أحادياً من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018. هدفت هذه السياسة إلى خنق الاقتصاد الإيراني عبر فرض عقوبات قاسية، لإجبار طهران على التفاوض حول اتفاق جديد يشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. أدت هذه السياسة إلى سلسلة من الحوادث المقلقة في منطقة الخليج، بما في ذلك هجمات على ناقلات نفط، وإسقاط إيران طائرة استطلاع أمريكية مسيرة متطورة في يونيو 2019، وهو الحادث الذي كاد أن يشعل فتيل مواجهة عسكرية مباشرة بعد أن أمر ترامب بضربة انتقامية ثم تراجع عنها في اللحظات الأخيرة.
نقاشات داخلية ومخاوف البنتاغون
وفقاً لما نقله موقع “أكسيوس” الإخباري الأمريكي عن مصادر مطلعة، دار نقاش مستمر في أعلى مستويات الإدارة حول كيفية التعامل مع إيران. وبينما كان بعض المسؤولين، مثل مستشار الأمن القومي آنذاك جون بولتون، يميلون إلى الخيار العسكري، كانت هناك أصوات أخرى تحث على توخي الحذر، أبرزها صوت المؤسسة العسكرية. كان السؤال المحوري الذي طرحه الجنرال دانفورد ومسؤولون آخرون هو: ما هو تعريف “النجاح” في حال اللجوء إلى عمل عسكري؟ وما هي التداعيات غير المحسوبة لمثل هذا القرار؟
أهمية التحذير وتأثيره المتوقع
كانت رؤية البنتاغون واضحة؛ فإيران ليست هدفاً سهلاً. أي هجوم أمريكي كان سيواجه رداً إيرانياً قد لا يقتصر على المواجهة المباشرة، بل قد يمتد ليشمل حرباً غير متكافئة عبر وكلائها في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان، والميليشيات في العراق وسوريا، والحوثيين في اليمن. كما أن قدرة إيران على تهديد الملاحة الدولية في مضيق هرمز، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط العالمية، كانت ورقة ضغط هائلة. إن إغلاق المضيق أو تعطيل حركة الملاحة فيه كان سيؤدي إلى ارتفاع فوري في أسعار النفط العالمية، مما قد يتسبب في أزمة اقتصادية دولية. هذا السيناريو المعقد، الذي يتضمن حرباً إقليمية واسعة النطاق وخسائر بشرية واقتصادية فادحة، هو ما دفع دانفورد إلى وصفه بـ”الصراع طويل الأمد”، محذراً من أن تكاليفه ستفوق أي مكاسب استراتيجية متوقعة.
في النهاية، شكلت هذه التحذيرات العسكرية الواقعية ثقلاً موازناً للضغوط السياسية الداعية للتصعيد، مما ساهم في تجنيب المنطقة حرباً مدمرة، وأبقى الباب مفتوحاً أمام خيارات أخرى، حتى وإن ظلت العلاقات بين البلدين على حافة الهاوية.


