في خطوة تعد الأولى من نوعها في تاريخ العلاقات الدبلوماسية الأمريكية في المنطقة، أعلنت السفارة الأمريكية في القدس عن بدء تقديم خدمات قنصلية مباشرة داخل المستوطنات الإسرائيلية المقامة على أراضي الضفة الغربية المحتلة. هذا الإجراء، الذي وصفته السفارة بأنه "خدمات متنقلة"، يحمل في طياته دلالات سياسية عميقة تتجاوز مجرد الإجراءات الإدارية الروتينية، خاصة في ظل السياق السياسي الحالي.
تفاصيل الخطوة الأمريكية الجديدة
أوضحت السفارة الأمريكية عبر منصاتها الرسمية أن فرقها القنصلية ستتواجد يوم الجمعة، 27 فبراير، داخل مستوطنة "إفرات" الواقعة جنوب مدينة بيت لحم، لتقديم خدمات تجديد جوازات السفر وتوثيق الأوراق للمواطنين الأمريكيين المقيمين هناك. ولم يقتصر الإعلان على هذه المستوطنة فحسب، بل أشارت السفارة إلى خطط مستقبلية لتوسيع هذه الخدمات لتشمل مستوطنة "بيتار عيليت" ومناطق أخرى في الأشهر المقبلة. ورغم تأكيد السفارة أن هذه الخدمات تستهدف "الوصول إلى جميع المواطنين الأمريكيين"، إلا أن اختيار المستوطنات كمواقع لتقديم الخدمة يمثل تحولاً لافتاً عن البروتوكولات السابقة التي كانت تحصر هذه الأنشطة في القدس وتل أبيب.
دلالات التوقيت والسياسة الأمريكية
يأتي هذا التحرك في سياق نهج سياسي أرسته إدارة الرئيس دونالد ترمب، والذي تميز بكسر القواعد التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية تجاه الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. فبعد نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في عام 2018، والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان في عام 2019، يرى مراقبون أن تقديم خدمات قنصلية داخل المستوطنات يُقرأ كاعتراف ضمني بشرعية الوجود الاستيطاني، أو ما وصفته وسائل إعلام إسرائيلية مثل "تايمز أوف إسرائيل" بأنه اعتراف فعلي بالسيادة الإسرائيلية على تلك المناطق.
الوضع القانوني الدولي والجدل القائم
تثير هذه الخطوة جدلاً واسعاً نظراً للوضع القانوني للأراضي الفلسطينية. فالمجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي ومحكمة العدل الدولية، يعتبر المستوطنات في الضفة الغربية والقدس الشرقية غير قانونية بموجب القانون الدولي، وتحديداً اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر على القوة المحتلة نقل سكانها إلى الأراضي التي تحتلها. كما أن قرار مجلس الأمن رقم 2334 لعام 2016 أكد بشكل قاطع عدم شرعية المستوطنات وطالب بوقفها، معتبراً إياها عقبة رئيسية أمام تحقيق حل الدولتين.
تداعيات محتملة على المشهد السياسي
من المتوقع أن تثير هذه الخطوة ردود فعل غاضبة في الأوساط الفلسطينية والعربية، حيث تعتبر الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي الاستيطان "جريمة حرب" وانتهاكاً صارخاً للحقوق الفلسطينية. إن تطبيع التعامل الدبلوماسي الأمريكي مع المستوطنات قد يفتح الباب أمام تغييرات جوهرية في كيفية تعامل الدول الأخرى مع ملف الاستيطان، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي ويضعف فرص التوصل إلى تسوية سلمية قائمة على القرارات الدولية.


