الولايات المتحدة تقود مبادرة عالمية لتعزيز أمن المعادن الحيوية وتحديد أسعارها
في خطوة استراتيجية تهدف إلى إعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية وتقليل الاعتماد على مصادر معينة، أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، خلال اجتماع دولي ضم ممثلين عن أكثر من 50 دولة، أن الولايات المتحدة تعتزم إنشاء نظام يحدد حداً أدنى لأسعار المعادن الحيوية. هذا الاقتراح يأتي في سياق جهود مكثفة لتعزيز الوصول المستدام والآمن لهذه الموارد الأساسية التي لا غنى عنها في الصناعات الحديثة.
وأوضح فانس أن الولايات المتحدة تقترح أيضاً تشكيل تكتل تجاري متخصص في المعادن الحيوية، مؤكداً أن عدداً من الدول قد أبدت بالفعل اهتمامها وانضمت إلى هذه المبادرة الطموحة. تهدف هذه الخطوة إلى توفير استقرار أكبر في الأسواق العالمية، وتحفيز الاستثمار في التعدين والمعالجة خارج نطاق الدول التي تهيمن حالياً على هذه الصناعة، وعلى رأسها الصين.
أهمية المعادن الحيوية وسياقها التاريخي
تكتسب المعادن الحيوية، مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر الأرضية النادرة، أهمية متزايدة في الاقتصاد العالمي الحديث. فهي مكونات أساسية في تصنيع البطاريات للمركبات الكهربائية، وتوربينات الرياح، والألواح الشمسية، والأجهزة الإلكترونية المتقدمة، بالإضافة إلى تطبيقات الدفاع والتكنولوجيا الفائقة. تاريخياً، شهدت العقود الأخيرة تركيزاً كبيراً في سلاسل إمداد هذه المعادن، حيث أصبحت الصين لاعباً مهيمناً بشكل خاص في معالجة وتكرير العديد من هذه الموارد، مما أثار مخاوف جدية بشأن أمن الإمدادات العالمية واستقرارها.
لطالما كانت قضية أمن المعادن الحيوية محط اهتمام العديد من الدول الصناعية، لكن جائحة كوفيد-19 وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، بالإضافة إلى التوترات الجيوسياسية المتزايدة، دفعت هذه القضية إلى واجهة الأولويات الاستراتيجية. تسعى الولايات المتحدة وحلفاؤها الآن إلى بناء مرونة أكبر في هذه السلاسل، لضمان عدم تعرض صناعاتهم الحيوية للخطر بسبب أي اضطرابات مستقبلية أو ممارسات احتكارية.
مشروع “فولت” ومخزون استراتيجي
يتزامن هذا الإعلان مع مبادرات أمريكية سابقة تهدف إلى تعزيز القدرات الذاتية في مجال المعادن الحيوية. ففي الآونة الأخيرة، أطلق الرئيس السابق دونالد ترمب مشروع “فولت” (Project VOLT)، وهو مبادرة طموحة تهدف إلى بناء مخزون استراتيجي من المعادن الحرجة. وقد خصص لهذا المشروع تمويل أولي كبير بلغ عشرة مليارات دولار من بنك التصدير والاستيراد الأمريكي، بالإضافة إلى ملياري دولار من التمويل الخاص، مما يعكس الالتزام الحكومي والخاص بهذا الهدف الاستراتيجي.
تستهدف هذه المبادرات مجتمعة دعم الإنتاج المحلي والاستثمارات طويلة الأجل في المعادن الحيوية، ليس فقط داخل الولايات المتحدة ولكن أيضاً بالتعاون مع الدول الحليفة. الهدف الأسمى هو تقليص الاعتماد على مصادر محددة، وخاصة الصين، في توفير هذه المعادن، لا سيما المعادن الأرضية النادرة التي تعتبر حجر الزاوية في العديد من التقنيات المتقدمة.
التأثيرات المتوقعة والآفاق المستقبلية
من المتوقع أن يكون لاقتراح وضع حد أدنى لأسعار المعادن الحيوية، بالإضافة إلى إنشاء تكتل تجاري، تأثيرات عميقة على المستويين المحلي والإقليمي والدولي. على الصعيد المحلي، يمكن أن يحفز هذا الإجراء الاستثمار في مشاريع التعدين والمعالجة داخل الولايات المتحدة، مما يخلق فرص عمل ويعزز الاقتصاد. إقليمياً ودولياً، سيساهم التكتل في بناء شبكة إمداد أكثر تنوعاً ومرونة، مما يقلل من المخاطر المرتبطة بالاعتماد على مورد واحد.
على المدى الطويل، تهدف هذه الاستراتيجية إلى ضمان استقرار أسعار المعادن الحيوية، مما يوفر بيئة استثمارية أكثر جاذبية للمنتجين ويضمن إمدادات مستقرة للمستهلكين في الصناعات الحيوية. كما أنها تمثل خطوة مهمة نحو تعزيز الأمن الاقتصادي والوطني للولايات المتحدة وحلفائها، وتحدياً مباشراً للهيمنة الصينية في هذا القطاع الحيوي، مما قد يدفع إلى إعادة تشكيل الخريطة الجيوسياسية لسلاسل إمداد الموارد الطبيعية على مستوى العالم.


