في خطوة تمثل تحولاً جذرياً في نظام الهجرة الأمريكي، أعلنت إدارة الرئيس دونالد ترامب عن تغييرات جوهرية تطال إجراءات الحصول على الإقامة الدائمة “الجرين كارد”، منهية بذلك سياسة معمولاً بها منذ أكثر من 60 عاماً. القرار الجديد يلزم عدداً كبيراً من المتقدمين الموجودين بالفعل داخل الولايات المتحدة بمغادرة البلاد واستكمال طلباتهم عبر القنصليات والسفارات الأمريكية في الخارج، مما يضيف تعقيدات كبيرة على مسارهم نحو الإقامة القانونية. هذا التعديل في سياسة الجرين كارد يثير مخاوف واسعة بشأن مصير ملايين المهاجرين وأسرهم.
خلفية تاريخية: من “تعديل الوضع” إلى “المعالجة القنصلية”
لعقود طويلة، اعتمد نظام الهجرة الأمريكي على آلية تُعرف بـ”تعديل الوضع” (Adjustment of Status)، والتي سمحت للمهاجرين الذين دخلوا البلاد بشكل قانوني (بتأشيرة سياحة أو عمل أو دراسة) بالتقدم للحصول على الجرين كارد من داخل الولايات المتحدة دون الحاجة إلى العودة لبلدانهم الأصلية. كانت هذه الآلية توفر استقراراً للمتقدمين، حيث يمكنهم مواصلة حياتهم وعملهم أثناء معالجة طلباتهم. هذا الإجراء، الذي استمر لأكثر من ستة عقود، كان حجر زاوية في تسهيل انتقال الأفراد المؤهلين إلى وضع الإقامة الدائمة بسلاسة.
تحول جذري في سياسة الجرين كارد وتداعياته
وفقاً للمذكرة السياسية الصادرة عن هيئة خدمات المواطنة والهجرة الأمريكية (USCIS)، سيقوم الموظفون بدراسة كل حالة على حدة لتحديد ما إذا كانت تستحق استثناءات خاصة تسمح باستكمال الإجراءات من داخل الولايات المتحدة. لكن القاعدة العامة أصبحت الآن هي العودة إلى الوطن الأم. وقالت وزارة الأمن الداخلي، المشرفة على هيئة الهجرة، إن السياسة الجديدة تهدف إلى “إعادة نظام الهجرة للعمل بالشكل الذي حدده القانون”، بدلاً من “تشجيع استغلال الثغرات القانونية”. يمثل هذا القرار تحولاً كبيراً من مسار “تعديل الوضع” إلى ما يعرف بـ”المعالجة القنصلية” (Consular Processing) كخيار أساسي.
تأثيرات إنسانية واقتصادية محتملة
يترتب على هذا القرار آثار عميقة على حياة الملايين. فبحسب محللين في معهد “كاتو”، وهو مركز أبحاث مقره واشنطن، ينتظر أكثر من مليون مهاجر داخل الولايات المتحدة حالياً الحصول على “الجرين كارد”. مع السياسة الجديدة، سيُطلب من عدد كبير منهم مغادرة البلاد، مما قد ينعكس بشكل مباشر على الأسر المختلطة الوضع القانوني، حيث قد يضطر أحد أفرادها إلى ترك وظيفته ومنزله وعائلته لفترات غير معلومة. كما يثير القرار مخاوف إضافية بسبب التراكم الكبير في ملفات التأشيرات والإقامة الدائمة داخل أجهزة الهجرة الأمريكية، مما يعني أن فترات الانتظار في الخارج قد تطول لشهور أو حتى سنوات، دون ضمان للعودة. وقد انتقدت منظمات حقوقية وإنسانية، مثل منظمة HIAS، القرار بشدة، مؤكدة أن السياسة الجديدة قد تجبر ضحايا الاتجار بالبشر والأطفال الذين تعرضوا للإهمال أو العنف على العودة إلى دول خطرة هربوا منها سابقاً، فقط لاستكمال إجراءات الإقامة الدائمة.
يأتي هذا الإجراء ضمن سلسلة من السياسات التي تبنتها إدارة ترامب لتشديد قوانين الهجرة، والتي شملت تخفيض عدد التأشيرات الممنوحة، واستهداف فئات معينة من المهاجرين الحاصلين على برامج حماية خاصة.


