spot_img

ذات صلة

المبعوث الأمريكي: مساعٍ لعودة مفاوضات دمشق و«قسد»

في ظل تجدد التوترات الأمنية والسياسية في الشمال السوري، أعلن المبعوث الأمريكي الخاص إلى سورية، توم براك، عن استمرار الجهود الدبلوماسية الأمريكية المكثفة لتهدئة الأوضاع ومنع التصعيد بين الحكومة السورية وقوات سورية الديمقراطية (قسد). تأتي هذه التصريحات في وقت حرج، حيث تشهد المنطقة تصعيداً في الخطاب والاشتباكات الميدانية، مما يهدد بزعزعة الاستقرار الهش في البلاد.

وأوضح براك، في منشور على حسابه الرسمي في منصة «إكس» يوم الجمعة، أن الولايات المتحدة تحافظ على اتصال وثيق مع جميع الأطراف الفاعلة في سورية، وتعمل «على مدار الساعة» من أجل احتواء الموقف ومنع أي تصعيد عسكري قد تكون له تداعيات خطيرة. وأكد أن الإدارة الأمريكية تركز جهودها حالياً على إعادة الأطراف إلى طاولة المفاوضات، في محاولة لإحياء المحادثات المتوقفة بين دمشق و«قسد».

السياق التاريخي والجيوسياسي للتوترات السورية

تعود جذور هذه التوترات إلى سنوات الصراع السوري الطويلة التي بدأت عام 2011، والتي أدت إلى تقسيم البلاد وemergence of عدة مناطق نفوذ. قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي تشكلت بدعم أمريكي أساسي لمحاربة تنظيم داعش الإرهابي، تسيطر حالياً على مناطق واسعة في شمال وشرق سورية، وتطمح إلى نوع من الإدارة الذاتية ضمن إطار الدولة السورية. في المقابل، ترى الحكومة السورية أن هذه المناطق جزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية، وترفض أي شكل من أشكال الفيدرالية أو الانفصال.

لطالما كانت العلاقة بين دمشق و«قسد» معقدة، تتراوح بين فترات من التنسيق الضمني في مواجهة أعداء مشتركين، وفترات من التوتر والاشتباكات. وقد سعت أطراف دولية، بما في ذلك الولايات المتحدة، مراراً إلى التوسط بين الجانبين لتجنب المواجهات المباشرة التي قد تفتح جبهات جديدة وتزيد من تعقيد الأزمة السورية.

تعثر الاتفاقات وتصاعد الاتهامات

تجددت التوترات الأخيرة على خلفية تعثر تطبيق اتفاق سابق، يُعرف باتفاق العاشر من مارس، والذي كان يهدف إلى تهدئة الأوضاع وتنظيم العلاقة بين الطرفين. تبادلت دمشق و«قسد» الاتهامات حول مسؤولية عدم تطبيق هذا الاتفاق. فقد صرحت المسؤولة الكردية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد، يوم الخميس، بأن إعلان الحكومة السورية عن عدم التزام «قسد» بالاتفاق «غير صحيح»، وأن الأطراف الدولية على دراية بذلك. وادعت أن تصريحات الرئيس السوري، التي لم يذكر اسمها في النص الأصلي ولكن يُفترض أنها تشير إلى مسؤول سوري رفيع، بمثابة «إعلان حرب».

من جانبه، كان الرئيس السوري قد حمّل القوات الكردية مسؤولية تعثر تنفيذ الاتفاق الذي وُقّع العام الماضي بينه وبين قائد «قسد» مظلوم عبدي في دمشق. وأكد أن هذا الاتفاق نص بوضوح على سورية موحدة دون أي كيانات فدرالية، مشدداً على أن الحكومة السورية «لن تقف مكتوفة الأيدي»، وأن تصريحاته «لا تهدد، بل تصف الواقع». وقد توترت العلاقة بشكل ملحوظ مع تعثر تنفيذ هذا الاتفاق الذي كان مقرراً الانتهاء من تطبيقه أواخر العام الماضي.

تداعيات التصعيد الأخير وأهميته

تصاعد هذا التوتر بشكل ملموس مع اندلاع اشتباكات ومواجهات بين القوات الكردية والجيش السوري في مدينة حلب الأسبوع الماضي، لتنتقل المواجهة لاحقاً إلى ريف حلب الشرقي. إن استمرار هذه الاشتباكات يحمل في طياته مخاطر جسيمة على عدة مستويات:

  • التأثير الإقليمي: يمكن أن يؤدي التصعيد إلى زعزعة استقرار المنطقة بأسرها، خاصة مع وجود قوى إقليمية ودولية متعددة لها مصالح متضاربة في سورية.
  • الوضع الإنساني: يهدد تجدد القتال بتفاقم الأزمة الإنسانية، وزيادة أعداد النازحين واللاجئين في مناطق تعاني أصلاً من أوضاع معيشية صعبة.
  • مكافحة الإرهاب: قد يؤدي تحويل الاهتمام والموارد نحو الصراعات الداخلية إلى إضعاف جهود مكافحة تنظيم داعش، مما يمنحه فرصة لإعادة تنظيم صفوفه والظهور مجدداً.
  • مستقبل الحل السياسي: يعرقل التصعيد أي آفاق للتوصل إلى حل سياسي شامل للأزمة السورية، ويزيد من تعقيد مساعي الأمم المتحدة والمجتمع الدولي لإحلال السلام.

تؤكد هذه التطورات على الأهمية البالغة للجهود الدبلوماسية التي تقودها الولايات المتحدة، وضرورة عودة الأطراف إلى الحوار البناء لتجنب المزيد من العنف والعمل نحو مستقبل مستقر وموحد لسورية.

spot_imgspot_img