spot_img

ذات صلة

إغلاق الحكومة الأمريكية: الأمن الداخلي، السفر الجوي، الاقتصاد

واشنطن على حافة الشلل: إغلاق فيدرالي ثالث يضرب الأمن الداخلي ويهدد الخدمات الحيوية

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية حالة من عدم اليقين مع دخول الحكومة الفيدرالية في إغلاق جزئي جديد، هو الثالث من نوعه خلال فترة قصيرة، مما يعكس تصاعد التوترات السياسية حول قضايا الإنفاق والميزانية. يأتي هذا الإغلاق نتيجة فشل الكونغرس في التوصل إلى اتفاق شامل بشأن مشاريع قوانين الإنفاق السنوية الـ12، تاركًا بعض الوزارات الحيوية، وعلى رأسها وزارة الأمن الداخلي (DHS)، دون تمويل كامل. وبينما حصلت غالبية المؤسسات الفيدرالية على ميزانيتها، فإن تعثر تمويل وزارة الأمن الداخلي يحمل تداعيات مباشرة وخطيرة على حياة المواطنين الأمريكيين، مهددًا الأمن القومي، سلاسة السفر الجوي، والاستجابة للكوارث الطبيعية. هذه الأزمة ليست مجرد خلاف سياسي، بل هي انعكاس لصراع أعمق يؤثر على الخدمات الأساسية التي يعتمد عليها الملايين يوميًا.

السياق التاريخي لإغلاقات الحكومة الأمريكية: صراع متكرر على الميزانية

تُعد إغلاقات الحكومة الفيدرالية ظاهرة متكررة في المشهد السياسي الأمريكي، وتحدث عندما يفشل الكونغرس والرئيس في الاتفاق على قوانيد الميزانية قبل نهاية السنة المالية. تاريخيًا، شهدت الولايات المتحدة عدة إغلاقات، أبرزها إغلاق عامي 1995-1996 في عهد الرئيس بيل كلينتون، والذي استمر لـ21 يومًا، وإغلاق عام 2013 في عهد الرئيس باراك أوباما الذي دام 16 يومًا. هذه الإغلاقات غالبًا ما تكون نتيجة لخلافات حزبية عميقة حول أولويات الإنفاق أو قضايا سياسية محددة، مثل الإنفاق على الرعاية الصحية أو الدفاع أو، كما في الحالة الراهنة، سياسات الهجرة. في كل مرة، يتم تصنيف الموظفين الفيدراليين إلى “أساسيين” يواصلون العمل دون أجر، و”غير أساسيين” يتم تسريحهم مؤقتًا. ورغم أن الموظفين الأساسيين عادة ما يتلقون رواتبهم المتأخرة بعد انتهاء الأزمة، إلا أن الضغوط المالية والنفسية عليهم تكون هائلة. هذا الإغلاق الحالي يبرز نمطًا مقلقًا من عدم الاستقرار السياسي الذي يؤثر بشكل مباشر على كفاءة الإدارة الحكومية وثقة الجمهور.

تأثيرات مباشرة على الأمن الداخلي والسفر الجوي: اضطرابات محتملة

يُعد التأثير على وزارة الأمن الداخلي هو الأكثر بروزًا في هذا الإغلاق. فبينما يواصل نحو 97% من الهيئات الفيدرالية عملها بتمويل مستقر، فإن DHS، التي تشرف على وكالات حيوية مثل إدارة أمن النقل (TSA) والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، تواجه تحديات كبيرة:

اضطرابات محتملة في السفر الجوي

إدارة أمن النقل (TSA) مسؤولة عن التفتيش الأمني في أكثر من 440 مطارًا أمريكيًا. حوالي 95% من موظفيها، أي ما يقرب من 61 ألف موظف، يُعتبرون “أساسيين” ويُطلب منهم العمل دون أجر. هذا الوضع يضع ضغطًا هائلاً على الموظفين، وقد يؤدي إلى تزايد حالات التغيب عن العمل بسبب الضغوط المالية، مما قد يتسبب في تأخيرات طويلة في المطارات أو حتى إلغاء رحلات جوية، وهو ما يهدد سلاسة حركة السفر وسلامة الركاب. التقارير السابقة عن اضطرار بعض الموظفين للنوم في سياراتهم أو البحث عن وظائف إضافية تعكس حجم المعاناة التي يواجهونها، مما يؤثر على معنوياتهم وكفاءة العمل.

مخاوف بشأن تعويضات الكوارث الطبيعية

الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (FEMA)، وهي جزء لا يتجزأ من DHS، مسؤولة عن تنسيق الاستجابة للكوارث الطبيعية. على الرغم من أن FEMA لديها تمويل كافٍ لعمليات الإغاثة الفورية، إلا أن ميزانيتها قد تتعرض لضغوط هائلة في حال وقوع كارثة كبرى غير متوقعة. هذا يعني أن المتضررين من كوارث جديدة قد يواجهون تأخيرات في الحصول على المساعدات الفيدرالية الحيوية لإعادة بناء منازلهم أو دعم مشاريعهم الصغيرة، مما يفاقم معاناتهم في أوقات الأزمات ويزيد من الأعباء على المجتمعات المتضررة.

تداعيات على خدمات الهجرة والاقتصاد: تأخيرات وأعباء إضافية

يمتد تأثير إغلاق وزارة الأمن الداخلي ليشمل خدمات الهجرة والجنسية الأمريكية. فبينما تعتمد معظم برامج الهجرة على الرسوم، فإن بعض الأنظمة الحيوية مثل نظام التحقق الإلكتروني من أهلية العمل (E-Verify) وبرامج تأشيرات الاستثمار والطبية والدينية تعتمد على تمويل الكونغرس، مما يجعلها عرضة للتعطيل. هذا التعطيل يمكن أن يؤدي إلى تأخيرات إضافية لأصحاب الأعمال الذين يعتمدون على تأشيرات العمالة، ويزيد من الأعباء الإدارية عليهم، مما يؤثر سلبًا على سوق العمل والنمو الاقتصادي.

على نطاق أوسع، يمكن أن يؤدي الإغلاق الحكومي إلى تباطؤ في النمو الاقتصادي، حيث تتوقف المشاريع الحكومية، وتتأثر ثقة المستهلكين والمستثمرين. كما أن تأخر صرف رواتب الموظفين الفيدراليين يؤثر على قدرتهم الشرائية، مما ينعكس سلبًا على الاقتصاد المحلي في المدن التي تضم عددًا كبيرًا من الموظفين الحكوميين، وقد يؤدي إلى خسائر تقدر بمليارات الدولارات إذا طال أمده.

الأبعاد السياسية للأزمة: انقسام حزبي يعيق العمل الحكومي

يُعد هذا الإغلاق نتاجًا مباشرًا للخلافات السياسية الحادة، خاصة حول سياسات الهجرة التي يتبناها الرئيس دونالد ترامب، ومطالبته بتمويل بناء جدار على الحدود الجنوبية. انسحاب الديمقراطيين من اتفاق تمويل DHS يعكس رفضهم لربط قضايا الميزانية بجدول أعمال ترامب الخاص بالهجرة. وقد انتقد بعض السياسيين، مثل السناتور الديمقراطي جون فيترمان، حزبه لوضع “السياسة فوق الوطن”، بينما حذر نواب جمهوريون من استخدام الشعب “كأداة تفاوض”. هذه التصريحات تسلط الضوء على عمق الانقسام الحزبي الذي يعوق عمل الحكومة ويضر بالمصلحة العامة، ويظهر عجزًا عن التوصل إلى حلول توافقية.

التوقعات المستقبلية: الحاجة الماسة لحلول توافقية

من المتوقع أن يستمر الإغلاق حتى عودة الكونغرس من عطلته في 23 فبراير، وقد يمتد ليشمل خطاب حالة الاتحاد للرئيس ترامب. كلما طال أمد الأزمة، زادت التداعيات السلبية على الخدمات الحكومية، الاقتصاد، وثقة الجمهور في قدرة قادتهم على إدارة البلاد. الحاجة إلى حلول توافقية تتجاوز الخلافات الحزبية أصبحت أكثر إلحاحًا لضمان استقرار وفعالية الحكومة الفيدرالية الأمريكية، وتجنب تكرار هذه الأزمات التي تضعف مكانة الولايات المتحدة داخليًا وخارجيًا.

spot_imgspot_img