الفيدرالي الأمريكي يواجه ضغوط ترمب: هل تثبت أسعار الفائدة أم تتغير؟
تترقب الأسواق العالمية اليوم، باهتمام بالغ، إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قراره بشأن أسعار الفائدة الرئيسية. التوقعات السائدة تشير إلى أن المجلس سيبقي على أسعار الفائدة عند مستواها الحالي البالغ 3.6%، متجاهلاً بذلك الدعوات المتكررة من الرئيس السابق دونالد ترمب لخفضها. يأتي هذا القرار المحتمل بعد سلسلة من ثلاثة تخفيضات متتالية بمقدار ربع نقطة مئوية لكل منها خلال العام الماضي، مما يضع الفيدرالي في موقف حرج بين استقلاليته الاقتصادية والضغوط السياسية.
دور الاحتياطي الفيدرالي واستقلاليته
يُعد مجلس الاحتياطي الفيدرالي البنك المركزي للولايات المتحدة، ويتمثل دوره الأساسي في تحقيق “الحد الأقصى من التوظيف” و”استقرار الأسعار” (السيطرة على التضخم). لتحقيق هذه الأهداف المزدوجة، يستخدم الفيدرالي أدوات السياسة النقدية، أبرزها تحديد أسعار الفائدة. تاريخياً، لطالما حافظ الفيدرالي على استقلاليته عن التدخلات السياسية لضمان اتخاذ قرارات مبنية على أسس اقتصادية بحتة، بعيداً عن المصالح الحزبية أو الانتخابية. ومع ذلك، لم تكن فترة رئاسة دونالد ترمب استثناءً من محاولات الضغط على البنك المركزي، حيث كان يرى أن أسعار الفائدة المرتفعة تعيق النمو الاقتصادي وتضر بقدرته على المنافسة عالمياً.
المشهد الاقتصادي الحالي: تضخم مستمر وتوظيف مستقر
في الوقت الراهن، يواجه الاقتصاد الأمريكي تحديات متباينة. فمن جهة، لا يزال معدل التضخم أعلى بكثير من الهدف الذي حدده مجلس الاحتياطي الفيدرالي عند 2%. هذا الارتفاع المستمر في الأسعار يمثل مصدر قلق رئيسي، حيث يمكن أن يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية للمستهلكين ويؤثر سلباً على استقرار الاقتصاد على المدى الطويل. ومن جهة أخرى، تظهر مؤشرات على استقرار معدل البطالة، مما يشير إلى سوق عمل قوي نسبياً، بالإضافة إلى إمكانية انتعاش اقتصادي تدريجي. هذه المعطيات المتضاربة تضع صانعي السياسة النقدية أمام معضلة حقيقية: هل يجب التركيز على كبح جماح التضخم من خلال تثبيت أو رفع أسعار الفائدة، أم دعم النمو والتوظيف بخفضها؟
خلفية التخفيضات السابقة والضغوط السياسية
جاءت التخفيضات الثلاثة المتتالية في أسعار الفائدة خلال العام الماضي استجابة لعدة عوامل، أبرزها التباطؤ الملحوظ في التوظيف الذي أعقب فرض الرئيس ترمب لرسوم جمركية واسعة النطاق على معظم الواردات الأمريكية في أبريل الماضي. كانت هذه الرسوم، التي استهدفت بشكل خاص الصين ودولاً أخرى، قد أثارت مخاوف من حرب تجارية عالمية وتأثيرها السلبي على سلاسل الإمداد والنمو الاقتصادي. كان الهدف من تلك التخفيضات هو دعم الاقتصاد ومنع تدهور حاد في سوق العمل، وتوفير حافز للشركات والمستهلكين في ظل حالة عدم اليقين التي خلقتها السياسات التجارية. اجتماع مسؤولي الفيدرالي هذا الأسبوع يأتي مجدداً في ظل ضغوط غير مسبوقة من الإدارة، مما يبرز التوتر الدائم بين الاستقلال النقدي والرغبات السياسية.
انقسام داخل اللجنة وتوقعات الخبراء
من القضايا الرئيسية التي من المرجح أن يتناولها رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في مؤتمره الصحفي اليوم هي المدة التي سيبقى فيها المجلس على سياسته النقدية الحالية. لا تزال لجنة تحديد أسعار الفائدة (اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة – FOMC) منقسمة بين مسؤولين يعارضون المزيد من التخفيضات حتى ينخفض التضخم إلى المستوى المستهدف، وآخرين يرغبون في خفض أسعار الفائدة لدعم التوظيف بشكل أكبر وتحفيز النمو. يتوقع معظم خبراء الاقتصاد أن يخفض المجلس أسعار الفائدة مرتين هذا العام، وأن يكون ذلك على الأرجح في اجتماع يونيو القادم أو بعده، مما يشير إلى أن التثبيت الحالي قد يكون مؤقتاً.
تأثير القرار على الاقتصاد المحلي والعالمي
إن قرار الفيدرالي بتثبيت أسعار الفائدة له تداعيات واسعة النطاق تتجاوز حدود الولايات المتحدة. محلياً، يعني استمرار تكلفة الاقتراض عند مستواها الحالي، مما قد يؤثر على قرارات الاستثمار للشركات وعلى قدرة المستهلكين على الحصول على القروض العقارية أو قروض السيارات. أما على الصعيد العالمي، فإن السياسة النقدية الأمريكية تؤثر بشكل كبير على قيمة الدولار الأمريكي، والذي بدوره يؤثر على التجارة الدولية وأسعار السلع المقومة بالدولار. كما أن أسعار الفائدة الأمريكية غالباً ما تكون معياراً للبنوك المركزية الأخرى حول العالم، مما يعني أن قرار الفيدرالي قد يؤثر على تدفقات رأس المال واستقرار الأسواق المالية العالمية. استقرار أسعار الفائدة قد يرسل إشارة إلى الأسواق بأن الفيدرالي واثق من قدرة الاقتصاد على تحمل التضخم الحالي دون الحاجة إلى تحفيز إضافي.
في الختام، يبدو أن مجلس الاحتياطي الفيدرالي يتجه نحو تثبيت أسعار الفائدة اليوم، في خطوة تعكس التزامه بمكافحة التضخم والحفاظ على استقلاليته، حتى في مواجهة الضغوط السياسية. سيبقى التركيز على تصريحات جيروم باول لفهم الرؤية المستقبلية للمجلس بشأن السياسة النقدية في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة.


