أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، اليوم، على سياسته النقدية الحالية، حيث قرر تثبيت أسعار الفائدة الرئيسية لليلة واحدة دون تغيير، لتبقى في نطاق يتراوح بين 3.50% و3.75%. جاء هذا القرار بأغلبية ساحقة بلغت 11 صوتاً مؤيداً مقابل صوت واحد معارض، حيث طالب عضو المجلس ستيفن ميران بخفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس. وأشار البنك المركزي إلى أن تداعيات التطورات الجيوسياسية الجارية في منطقة الشرق الأوسط على الاقتصاد الأمريكي لا تزال “غير مؤكدة”، مما استدعى التريث في اتخاذ أي خطوات تيسيرية جديدة.
دوافع قرار تثبيت أسعار الفائدة في ظل التوترات العالمية
أكد البنك المركزي الأمريكي في بيانه الرسمي أن حالة عدم اليقين بشأن الآفاق الاقتصادية لا تزال “مرتفعة”، مشدداً على أنه يراقب باهتمام بالغ كافة المخاطر التي قد تواجه استقرار الأسعار والحد الأقصى للتوظيف. وفي هذا السياق، كشف الفيدرالي عن تحديثات جوهرية لتوقعاته الاقتصادية، حيث أظهرت التقديرات الجديدة توجه البنك نحو إقرار خفض واحد فقط لأسعار الفائدة خلال عام 2026، يليه خفض آخر وحيد خلال عام 2027. كما رفع الفيدرالي توقعاته لمعدلات التضخم لعام 2026 إلى 2.7% مقارنة بـ 2.4% سابقاً، ورفع توقعات التضخم الأساسي للعام نفسه إلى 2.7% صعوداً من 2.5%. أما بالنسبة لعام 2027، فقد تم رفع تقديرات التضخم إلى 2.2% بدلاً من 2.1%.
السياق التاريخي لسياسات الاحتياطي الفيدرالي
لفهم أهمية هذا القرار، يجب النظر إلى السياق التاريخي القريب للسياسة النقدية الأمريكية. ففي أعقاب جائحة كورونا، واجه الاقتصاد العالمي والأمريكي موجات تضخمية غير مسبوقة نتيجة اضطرابات سلاسل التوريد وحزم التحفيز الضخمة. ورداً على ذلك، قاد الاحتياطي الفيدرالي واحدة من أشرس دورات التشديد النقدي في التاريخ الحديث، حيث قام برفع أسعار الفائدة بشكل متتالي وسريع لكبح جماح التضخم وإعادته إلى الهدف المستهدف البالغ 2%. واليوم، يعكس التوجه نحو الإبقاء على المعدلات الحالية مرحلة انتقالية دقيقة، يحاول فيها صناع السياسة النقدية الموازنة بين الحفاظ على المكتسبات التي تحققت في محاربة التضخم، وبين تجنب إدخال الاقتصاد في ركود عميق.
التداعيات الاقتصادية وتأثير القرار محلياً ودولياً
يحمل قرار الإبقاء على المعدلات الحالية تأثيرات واسعة النطاق تتجاوز حدود الولايات المتحدة. على الصعيد المحلي الأمريكي، يعني بقاء الفائدة عند هذه المستويات استمرار ارتفاع تكلفة الاقتراض على المستهلكين والشركات، مما يؤثر على قطاعات حيوية مثل العقارات وقروض السيارات وبطاقات الائتمان. أما على الصعيدين الإقليمي والدولي، فإن قوة الدولار الأمريكي المرتبطة بارتفاع عوائد الفائدة تفرض ضغوطاً إضافية على عملات الأسواق الناشئة، وتزيد من تكلفة خدمة الديون المقومة بالدولار لتلك الدول. علاوة على ذلك، فإن التوترات في الشرق الأوسط التي أشار إليها الفيدرالي تلعب دوراً محورياً في تحديد أسعار الطاقة العالمية، مما يجعل المشهد الاقتصادي العالمي شديد الحساسية لأي صدمات جيوسياسية محتملة.
نظرة مستقبلية: سوق العمل وتوقعات النمو
على الرغم من التحديات التضخمية، أوضح الفيدرالي أن المؤشرات المتاحة تشير إلى أن النشاط الاقتصادي واصل التوسع “بسرعة صلبة”. وفي مقابل ضغوط الأسعار، رفع البنك المركزي توقعاته لنمو الاقتصاد الأمريكي لتصل إلى 2.4% في عام 2026 (ارتفاعاً من 2.3% سابقاً)، وإلى 2.3% في عام 2027 (من 2.0% سابقاً). وفيما يخص التوظيف، أشار البيان إلى أن مكاسب الوظائف ظلت منخفضة، بينما لم يطرأ تغير يذكر على معدل البطالة خلال الأشهر الأخيرة. وبناءً على ذلك، أبقى الفيدرالي على توقعاته لنمو البطالة عند مستويات 4.4% لعام 2026 دون تغيير، بينما رفع توقعاته لمعدلات البطالة لعام 2027 بشكل طفيف لتصل إلى 4.3%.


