spot_img

ذات صلة

الانسحاب الأمريكي من سوريا: إخلاء قاعدة قصرك وتداعياته

في خطوة استراتيجية ترمز إلى تحول كبير في المشهد السوري، بدأت القوات الأمريكية يوم الاثنين عملية إخلاء واسعة النطاق لقاعدة “قصرك” العسكرية الواقعة في ريف الحسكة الشمالي الغربي. وتُعد هذه القاعدة الأكبر والأهم استراتيجياً للقوات الأمريكية على الأراضي السورية، ويمثل الانسحاب منها بداية مرحلة جديدة في سياسة واشنطن تجاه المنطقة بعد عقد من التدخل العسكري.

وقد شوهدت أرتال تضم عشرات الشاحنات والآليات العسكرية وهي تغادر القاعدة محملة بمعدات لوجستية وجنود، متجهة نحو إقليم كردستان العراق عبر المعابر الحدودية الرسمية. ورافقت مروحيات هجومية من طراز “أباتشي” هذه الأرتال لتوفير غطاء جوي وحماية أمنية خلال عملية الانتقال. وبحسب تقديرات مصادر أمنية، فإن عملية الإخلاء الكاملة للقاعدة قد تستغرق ما بين أسبوعين إلى شهر، نظراً لضخامة المنشأة التي تضم مدرجاً جوياً يتجاوز طوله 1.7 كيلومتر، بالإضافة إلى كميات هائلة من المعدات العسكرية والتقنية.

سياق تاريخي: من الحرب على داعش إلى واقع سياسي جديد

يعود الوجود العسكري الأمريكي في سوريا إلى عام 2014، عندما شكلت واشنطن التحالف الدولي لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي سيطر آنذاك على مساحات شاسعة من سوريا والعراق. تركز الوجود الأمريكي بشكل أساسي في مناطق شمال وشرق سوريا، حيث أقامت شراكة وثيقة مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي كانت رأس الحربة في المعارك البرية ضد التنظيم. وعلى مدى سنوات، لعبت القواعد الأمريكية، وعلى رأسها قصرك والتنف، دوراً محورياً في توفير الدعم اللوجستي والاستخباراتي والجوي لهذه العمليات.

أهمية الانسحاب وتأثيره المتوقع

يأتي هذا الانسحاب في أعقاب التغيرات السياسية الجذرية التي شهدتها سوريا، وتحديداً سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024، وما تلاه من تشكيل حكومة جديدة وتوقيع اتفاقيات تكامل بينها وبين “قسد”. هذه التطورات أدت إلى تغيير الأهداف الاستراتيجية للولايات المتحدة، حيث اعتبرت واشنطن أن المهمة الأساسية المتمثلة في القضاء على الخلافة المكانية لداعش قد أنجزت إلى حد كبير، وأن مسؤولية الأمن الداخلي ومكافحة خلايا التنظيم يمكن أن تنتقل تدريجياً إلى القوات السورية الموحدة.

وعلى الصعيدين الإقليمي والدولي، يُنظر إلى هذه الخطوة على أنها جزء من استراتيجية أمريكية أوسع لإعادة التموضع في الشرق الأوسط، وتقليل الانخراط العسكري المباشر في النزاعات طويلة الأمد. ورغم أن مسؤولين أمريكيين أكدوا أن الانسحاب يتم بشكل “مدروس ومشروط”، وأن واشنطن ستحتفظ بقدرتها على التصدي لأي تهديدات إرهابية محتملة عبر دعم الشركاء المحليين، إلا أن الخطوة تفتح الباب أمام تساؤلات حول مستقبل موازين القوى في سوريا والمنطقة، ودور الأطراف الإقليمية الأخرى في ملء الفراغ المحتمل.

spot_imgspot_img