spot_img

ذات صلة

إغلاق حكومي أمريكي: الأسباب، التداعيات، ومستقبل الموازنة

شهدت الولايات المتحدة الأمريكية دخول الحكومة الفيدرالية في إغلاق جزئي جديد، هو الثاني من نوعه خلال ستة أشهر، وذلك بعد فشل الكونغرس في التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن الموازنة السنوية قبل انتهاء المهلة القانونية. هذا التطور يعكس حالة من الاستقطاب السياسي العميق والتحديات المستمرة في عملية صنع القرار التشريعي، مما يلقي بظلاله على استقرار الخدمات الحكومية والاقتصاد الوطني.

تاريخياً، تُعد الإغلاقات الحكومية ظاهرة متكررة في المشهد السياسي الأمريكي، وتحدث عندما يفشل الكونغرس في تمرير قوانين الاعتمادات المالية اللازمة لتمويل العمليات الحكومية قبل بدء السنة المالية الجديدة في الأول من أكتوبر، أو قبل انتهاء صلاحية التمويل المؤقت. يعود هذا الإجراء إلى قانون الموازنة ومراقبة المصروفات لعام 1974، الذي يفرض على الوكالات الفيدرالية التوقف عن العمليات غير الأساسية في غياب التمويل. شهدت الولايات المتحدة إغلاقات بارزة في عهد الرئيس بيل كلينتون في منتصف التسعينيات، وفي عهد باراك أوباما عام 2013، وصولاً إلى أطول إغلاق حكومي في تاريخ البلاد تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب في 2018-2019، والذي استمر 35 يوماً. هذه السوابق تؤكد أن الأزمة الحالية ليست حدثاً معزولاً، بل جزء من نمط أوسع من الخلافات السياسية حول الإنفاق والأولويات الوطنية.

وبحسب تقارير شبكة فوكس نيوز، من المتوقع أن يبدأ مكتب الإدارة والموازنة الأمريكية (OMB) بإخطار الوكالات الفيدرالية بالشروع في إجراءات الإغلاق اعتبارًا من الساعات الأولى بعد منتصف ليل 31 يناير. على خلاف الإغلاق السابق، يقتصر هذا الإجراء هذه المرة على إغلاق جزئي فقط، نتيجة نجاح الكونغرس في تمرير تشريعات تضمن التمويل الكامل لبعض القطاعات الحيوية. شملت الجهات التي حصلت على تمويل كامل كلًا من وزارة الزراعة، والسلطة التشريعية نفسها، ووزارة العدل، مما يضمن استمرار عملها دون انقطاع. ومع ذلك، لا يزال الجزء الأكبر من الإنفاق الفيدرالي معلقًا بانتظار اتفاق سياسي شامل، مما يترك العديد من الوكالات والخدمات في حالة من عدم اليقين.

خلاف سياسي يعطل الاتفاق وتداعياته

جاء هذا الإغلاق بعد انسحاب الديمقراطيين في مجلس الشيوخ من اتفاق ثنائي كان يهدف إلى تمويل الحكومة الفيدرالية حتى نهاية السنة المالية 2026. تصاعدت الخلافات بشكل حاد على خلفية قرار الرئيس دونالد ترمب تعزيز الوجود الفيدرالي لقوات إنفاذ القانون في مدينة مينيابوليس. كانت احتجاجات واسعة النطاق ضد سياسات الهجرة قد شهدت حوادث عنف، أسفرت عن مقتل مواطنين أمريكيين خلال مظاهرات منفصلة، مما دفع الديمقراطيين إلى التهديد بتعطيل مشروع قانون ضخم للإنفاق الفيدرالي، ما لم يتم استبعاد تمويل وزارة الأمن الداخلي منه. هذا الخلاف يسلط الضوء على عمق الانقسامات الحزبية حول قضايا حساسة مثل الهجرة والأمن الداخلي، وكيف يمكن لهذه القضايا أن تعرقل العملية التشريعية برمتها.

يحذر مسؤولون من أن استمرار الإغلاق لفترة طويلة قد يؤدي إلى تداعيات واسعة النطاق تتجاوز مجرد التأخيرات الإدارية. على المستوى المحلي والوطني، يمكن أن يشمل ذلك تأخيرات كبيرة في الرحلات الجوية بسبب نقص موظفي مراقبة الحركة الجوية أو مفتشي الأمن، واحتمال تأخر رواتب الجنود في الخدمة الفعلية، مما يؤثر مباشرة على معيشة الآلاف من الأسر العسكرية. كما قد يتقيد بعض خدمات برنامجي الرعاية الصحية “ميديكيد” و “ميديكير” الأساسيين، مما يهدد صحة ورفاهية الملايين من الأمريكيين. بالإضافة إلى ذلك، يمكن أن تتأثر خدمات حيوية أخرى مثل عمليات مصلحة الضرائب الأمريكية (IRS)، وإغلاق المتنزهات الوطنية، وتأجيل الأبحاث العلمية، وتفتيش الأغذية، مما يؤثر على جوانب متعددة من الحياة اليومية للمواطنين.

على الصعيد الاقتصادي، يمكن أن يؤدي الإغلاق الحكومي إلى تباطؤ النمو الاقتصادي، حيث تتوقف المشاريع الحكومية، ويتأثر الإنفاق الاستهلاكي بسبب عدم اليقين. قد تتأثر ثقة المستثمرين والأسواق المالية، مما قد يؤدي إلى تقلبات. أما على الصعيد الدولي، فإن تكرار الإغلاقات الحكومية في الولايات المتحدة يمكن أن يضر بصورة البلاد كقوة عالمية مستقرة، وقد يؤثر على قدرتها على التفاوض في القضايا الدولية أو الوفاء بالتزاماتها، مما يبعث برسالة سلبية حول الاستقرار السياسي لأكبر اقتصاد في العالم.

محاولات التسوية والانقسامات الحزبية

في محاولة لتفادي تصعيد الأزمة، توصل الديمقراطيون في مجلس الشيوخ إلى اتفاق جديد مع البيت الأبيض يقضي بتمويل جميع الوزارات باستثناء وزارة الأمن الداخلي حتى 30 سبتمبر. كما تضمن الاتفاق تمديداً مؤقتاً لتمويل وزارة الأمن الداخلي لمدة أسبوعين، لإتاحة المجال أمام التوصل إلى تسوية تشمل ضوابط أكثر صرامة على وكالات إنفاذ قوانين الهجرة. هذا الحل المؤقت يعكس محاولة يائسة لتجنب إغلاق كامل، ولكنه يؤجل المواجهة النهائية حول قضايا الهجرة الشائكة.

ورحب الرئيس دونالد ترمب بالاتفاق، داعيًا الجمهوريين إلى دعمه، محذرًا من أن “الإغلاق الحكومي الطويل هو الشيء الوحيد القادر على إبطاء تقدم البلاد”. تعكس تصريحاته إدراكاً للمخاطر الاقتصادية والسياسية التي يفرضها الإغلاق. غير أن الاتفاق قوبل بانتقادات حادة من بعض الجمهوريين في مجلس الشيوخ، أبرزهم السيناتور ليندسي غراهام، الذي وصف الخطة بأنها “صفقة سيئة”. أعرب غراهام عن غضبه من بنود تسمح لأعضاء مجلس الشيوخ بمقاضاة الحكومة في حال مصادرة سجلات هواتفهم ضمن تحقيقات سابقة، مما يشير إلى انقسامات عميقة حتى داخل الحزب الجمهوري حول أولويات التشريع وحماية الحريات الفردية.

رغم تمرير النسخة المعدلة من مشروع التمويل في مجلس الشيوخ بدعم الديمقراطيين، لا يزال يتعين على مجلس النواب التصويت عليها مجددًا، بعد إدخال التعديلات. وهذا يضع الكرة في ملعب رئيس مجلس النواب، مايك جونسون، الذي يواجه تحدياً كبيراً في حشد توافق سياسي بين الجمهوريين والديمقراطيين خلال الأيام القادمة. في ظل أجواء سياسية مشحونة وانقسامات حادة داخل الكونغرس، يبقى مصير ومدة الإغلاق الحكومي مرهونين بقدرة القيادة التشريعية على تجاوز الخلافات الحزبية والتوصل إلى حلول مستدامة تخدم المصلحة الوطنية.

spot_imgspot_img