في حادثة أثارت جدلاً واسعاً وفتحت الباب أمام تكهنات خطيرة، وُصفت الأحداث المفاجئة التي سبقت محاولة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو بأنها غامضة ومروعة. فقد ظهرت علامات غير تقليدية على حراس الرئيس، تمثلت في أجساد مشلولة وأعراض حادة ظهرت بلا صوت أو رصاص، مما دفع البعض للتساؤل حول استخدام سلاح أمريكي غير تقليدي و”غير مرئي”.
تأتي هذه التكهنات في سياق تاريخ طويل من التوترات السياسية بين الولايات المتحدة وفنزويلا، خاصة خلال فترة حكم مادورو. فلطالما اتهمت واشنطن نظام مادورو بالاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان، ودعمت المعارضة الفنزويلية علناً، بل وفرضت عقوبات اقتصادية قاسية بهدف الضغط لتغيير النظام. وقد شهدت فنزويلا عدة محاولات لزعزعة استقرار الحكومة، أبرزها “عملية غيديون” الفاشلة في مايو 2020، والتي وصفتها كاراكاس بأنها محاولة غزو بحري بدعم أمريكي للإطاحة بمادورو. هذه الخلفية تزيد من حدة التساؤلات حول طبيعة أي تدخلات محتملة، وتضع الحادثة المزعومة في إطار جيوسياسي معقد.
وكشف الخبير العسكري الصيني لان شونتشينغ في تحليل أثار جدلاً واسعاً، أن ما تعرض له حراس مادورو لا يشبه أي هجوم تقليدي. ورجح شونتشينغ استخدام سلاح طاقة موجهة يعتمد على موجات ترددية فائقة العلو أو موجات صوتية متقدمة قادرة على شل الحركة خلال ثوانٍ معدودة. هذه التقنيات، التي تُعرف بأسلحة الطاقة الموجهة (DEWs)، تمثل قفزة نوعية في الحروب الحديثة، وتتجاوز الأساليب التقليدية التي تعتمد على القوة النارية المباشرة.
ووفقاً للخبير الصيني، فإن الأعراض التي أصابت عناصر الحماية — من قيء مفاجئ، ونزيف أنفي، وفقدان القدرة على الوقوف أو الحركة — تتطابق بشكل لافت مع تأثيرات أسلحة تحت صوتية أو فوق صوتية. هذه الأسلحة، التي لا تسمعها الأذن البشرية، قادرة على إحداث دمار داخلي عبر الرنين والضغط المكثف على الأعضاء الحيوية، مما يفسر الشلل المفاجئ والأعراض الجسدية الحادة التي ظهرت على الحراس.
وأوضح شونتشينغ أن هذه التقنيات المتقدمة قادرة على اختراق الجدران واستهداف أشخاص محددين بدقة عالية، دون ترك أي دليل سمعي أو بصري. هذا يجعل تتبعها أو إثبات استخدامها أمراً بالغ الصعوبة، مما يمنح الجهة المستخدمة ميزة استراتيجية كبيرة في ساحة المعركة الحديثة، حيث يصعب تحديد المسؤولية أو تقديم الأدلة المادية، وهو ما يثير مخاوف جدية بشأن الشفافية والمساءلة في الصراعات المستقبلية.
ولم يستبعد الخبير العسكري احتمال توجيه سلاح ميكروويف متطور، والذي يُستخدم عادة في إسقاط الطائرات المسيّرة، ضد البشر. مشيراً إلى أن رفع شدة طاقته قد يؤدي إلى شلل فوري، أو تلف دائم في الأعضاء الداخلية، وربما الوفاة. إن تطوير مثل هذه الأسلحة ليس جديداً، فقد استثمرت القوى الكبرى، بما في ذلك الولايات المتحدة، في أبحاث أسلحة الطاقة الموجهة لعقود، بدءاً من برامج الدفاع الصاروخي وصولاً إلى أنظمة مكافحة الطائرات بدون طيار، مما يؤكد القدرة التقنية على إنتاج مثل هذه الأجهزة.
وأشار شونتشينغ إلى أن هذا النوع من الأسلحة يمنح أفضلية خطيرة، كونه غير مرئي، وغير صاخب، ولا يترك آثاراً تقليدية. هذا يفسر (بحسب رأيه) سبب لجوء واشنطن لمثل هذه الوسائل بدلاً من القوة النارية المباشرة، خاصة في العمليات التي تتطلب إنكاراً معقولاً أو تجنباً للتصعيد العسكري العلني الذي قد يؤدي إلى ردود فعل دولية قوية.
وختم الخبير العسكري الصيني تحليله بالتأكيد على أن الولايات المتحدة تمتلك ترسانة متقدمة من أسلحة الطاقة الموجهة، يمكن تعديلها بسهولة للتحكم بدرجة تأثيرها، بدءاً من تفريق التجمعات وصولاً إلى إحداث أضرار جسيمة خلال لحظات. إن استخدام مثل هذه الأسلحة يثير تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة حول حدود الحرب، وحماية المدنيين، ومستقبل الصراعات الدولية. فإذا تأكد استخدامها بهذه الطريقة، فإن ذلك يمثل سابقة خطيرة قد تغير قواعد الاشتباك وتزيد من تعقيد جهود السلام والاستقرار العالمي.
إن تداعيات استخدام سلاح “غير مرئي” كهذا تتجاوز الحدود الفنزويلية. فعلى الصعيد المحلي، يمكن أن يؤدي إلى تفاقم حالة عدم الاستقرار السياسي وزيادة الشكوك حول التدخلات الخارجية، مما يقوض الثقة في المؤسسات. إقليمياً، قد يدفع دول أمريكا اللاتينية إلى إعادة تقييم علاقاتها مع القوى الكبرى، وربما يشجع على سباق تسلح جديد في مجال الأسلحة غير التقليدية، مما يهدد الأمن الإقليمي. دولياً، يطرح هذا السيناريو تحديات كبيرة أمام القانون الدولي الإنساني ومعاهدات حظر الأسلحة، ويزيد من صعوبة التحقيق في الجرائم المحتملة، مما يفتح الباب أمام حروب “ظل” يصعب رصدها أو محاسبة مرتكبيها، ويهدد بتقويض النظام العالمي القائم على القواعد.


