لم يكد يمر أسبوعان على إعلان اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران المؤقت، حتى بدأت الثغرات القانونية والعبارات الغامضة في بنوده تطفو على السطح، مهددة بتحويل التفاهمات الهشة إلى شرارة مواجهة جديدة في منطقة الخليج العربي. ويأتي هذا التصعيد السريع ليعكس عمق الخلافات التفسيرية بين واشنطن وطهران، لا سيما فيما يتعلق بحرية الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، الذي يعد الشريان الحيوي الأبرز لإمدادات الطاقة العالمية.
تفسيرات متناقضة تهدد اتفاق وقف إطلاق النار بين أمريكا وإيران
وفقاً لتقرير نشرته صحيفة “نيويورك تايمز” الأمريكية، فإن الصياغة المرنة والغامضة التي قبل بها المفاوضون من الطرفين باتت تشكل التهديد الأكبر لجهود السلام المؤقتة. يكمن الخلاف الأساسي في تفسير بند ينص على أن تتخذ إيران “الترتيبات اللازمة، مع بذل أقصى الجهود، لضمان المرور الآمن للسفن التجارية” عبر مضيق هرمز لمدة 60 يوماً، دون تحديد دقيق للمقصود بعبارات مثل “الترتيبات” أو “أقصى الجهود”.
وبناءً على هذا الغموض، اعتبرت طهران أن الاتفاق يمنحها الحق السيادي الكامل في تنظيم مسارات الملاحة داخل المضيق. وفي هذا السياق، وجهت السلطات الإيرانية تحذيرات مباشرة للسفن التجارية وحاويات الشحن من استخدام المسار الجنوبي المحاذي للمياه العمانية، والذي يحظى بدعم وتأمين من الولايات المتحدة، مطالبة إياها بالعبور حصراً عبر المياه الإقليمية الإيرانية.
مضيق هرمز: ساحة الصراع التاريخي وموازين القوى
من الناحية التاريخية، لطالما كان مضيق هرمز بؤرة للتوترات الجيوسياسية بين القوى الغربية وإيران. يمر عبر هذا الممر المائي الضيق نحو خمس استهلاك النفط العالمي، مما يجعله ورقة ضغط إستراتيجية تستخدمها طهران في مواجهة العقوبات الاقتصادية الغربية. وتأتي التطورات الأخيرة لتؤكد أن أي تفاهمات لا تعالج الجذور القانونية والسيادية للملاحة في المضيق ستظل عرضة للانهيار عند أول اختبار ميداني.
وفي هذا الصدد، أوضحت نيكول جرايفسكي، الأستاذة المساعدة في مركز الدراسات الدولية بجامعة “سيانس بو”، أن العبارات المرنة صِيغت عمداً لتسهيل التوصل إلى الاتفاق الأولي، لكن استمرار هذا الوضع يتطلب توافقاً نادراً على تفسير موحد. وحذرت من أن غياب هذا التوافق يدفع كلا الطرفين إلى فرض وقائع ميدانية جديدة لتعزيز مواقفهما التفاوضية قبل صياغة أي اتفاق نهائي.
تصعيد ميداني متبادل يضع الهدنة على المحك
لم يتوقف الخلاف عند حدود التفسيرات السياسية، بل تُرجم سريعاً إلى تصعيد عسكري على الأرض. فقد ردت الولايات المتحدة على استهداف سفن الشحن بشن ضربات دقيقة استهدفت مواقع إيرانية مخصصة لتخزين الصواريخ والطائرات المسيرة، بالإضافة إلى منشآت رادار ساحلية. وتزامن ذلك مع إعلان مملكة البحرين عن تعرضها لهجوم بطائرات مسيرة إيرانية الصنع، مما يعكس اتساع رقعة التوتر إقليمياً.
من جهة أخرى، يرى جريجوري برو، كبير المحللين في مجموعة “أوراسيا”، أن إيران تسعى لاختبار حدود النفوذ الأمريكي في المنطقة عبر عمليات عسكرية محدودة لفرض مسارات بحرية تخدم مصالحها، مستبعدة حدوث رد أمريكي واسع النطاق في الوقت الراهن.
مستقبل التهدئة وتحديات التسوية الدائمة
ترافق التصعيد الميداني مع جدل سياسي واسع عقب تصريحات نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، بشأن وجود قناة اتصال عسكرية مباشرة بين واشنطن وطهران لضبط النفس. وسارع الحرس الثوري الإيراني بنفي هذه الادعاءات جملة وتفصيلاً، مؤكداً عدم وجود أي خط اتصال مباشر. وفي المقابل، اتهم محسن رضائي، مستشار المرشد الإيراني، الولايات المتحدة بانتهاك بنود التهدئة، متوعداً برد سريع وحاسم على أي خروقات إضافية.
يبقى الخلاف الجوهري متمثلاً في رغبة إيران بفرض رسوم وقيود تنظيمية على السفن العابرة للمضيق بدعوى تقديم خدمات ملاحية، وهو ما ترفضه واشنطن وحلفاؤها بشكل قاطع، مما يجعل التوصل إلى تسوية دائمة أمراً بالغ التعقيد في ظل غياب الثقة المتبادلة بين الطرفين.


