شهدت الساعات القليلة الماضية التي سبقت الإعلان الرسمي عن مذكرة التفاهم الجديدة توترات دبلوماسية بالغة التعقيد، حيث طفت على السطح الخلافات بين واشنطن وطهران بشكل حاد ومستمر حتى الدقائق الأخيرة. وتناولت هذه التباينات ملفات استراتيجية حساسة تتعلق بالأمن الإقليمي، والترتيبات النووية، وآلية رفع العقوبات الاقتصادية، ومستقبل الملاحة البحرية، وسط مساعٍ دولية حثيثة لاحتواء التصعيد العسكري في الشرق الأوسط وتجنب اندلاع مواجهة شاملة.
تفاصيل اللحظات الحرجة وحقيقة الخلافات بين واشنطن وطهران
ونقلت وكالة “تسنيم” الإيرانية عن مصدر مطلع أن المفاوضات غير المباشرة شهدت تجاذبات قوية حول بنود متعددة في الاتفاق الإطاري. وأوضح المصدر أن من أبرز التعديلات التي أُدخلت في الساعات الأخيرة كانت إضافة عبارة “ضمان سيادة لبنان واحترام سلامة أراضيه” إلى البند الأول من المذكرة. وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرفض إدراج هذه الصياغة في النسخ السابقة من المسودة، مما يعكس حجم التعقيد الدبلوماسي في صياغة التعهدات المتبادلة بين الطرفين قبل التوصل إلى الصيغة النهائية.
معضلة مضيق هرمز وتعديل موقف دونالد ترامب المفاجئ
امتدت نقاط التباين لتشمل ملف الملاحة البحرية الحيوي في المنطقة. ووفقاً للمصدر ذاته، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان يصر على إعادة فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري بشكل متزامن وفوري بمجرد إعلان مذكرة التفاهم. ومع ذلك، واجه هذا المقترح رفضاً إيرانياً قاطعاً، ليتم التوصل في النهاية إلى تسوية تقضي ببدء إجراءات إعادة فتح المضيق عقب التوقيع الرسمي يوم الجمعة.
وقد تجلى هذا التباين بوضوح في السلوك الاتصالي للرئيس الأمريكي؛ إذ أعلن دونالد ترامب في بادئ الأمر عبر حساباته على منصات التواصل الاجتماعي أن المضيق والحصار قد أُعيدا إلى طبيعتهما فوراً. لكنه سرعان ما قام بتعديل منشوره ليوضح أن إعادة فتح مضيق هرمز ستتم يوم الجمعة، وذلك بعد تنبيه عاجل تلقاه من الجانب الإيراني عبر الوسيط الباكستاني الذي لعب دوراً محورياً في نقل الرسائل الحساسة بين الطرفين.
الجذور التاريخية للصراع الأمريكي الإيراني
تأتي هذه التطورات المتسارعة في سياق عقود من العلاقات المتوترة والعداء المستمر بين الولايات المتحدة والجمهورية الإسلامية الإيرانية منذ عقود. وقد تفاقمت هذه الأزمة بشكل كبير في السنوات الأخيرة عقب الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة على طهران. ويمثل مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، نقطة اختناق استراتيجية طالما استخدمت كأداة للضغط السياسي والاقتصادي المتبادل، مما يجعل أي تفاهمات حوله ذات أهمية قصوى للأمن القومي للبلدين وللاقتصاد العالمي ككل.
التداعيات الإقليمية ومسؤولية واشنطن في إنهاء التصعيد
على الصعيد الإقليمي، تتزامن هذه التفاهمات مع إعلانات إسرائيلية مثيرة للجدل بشأن عدم الانسحاب من “المناطق الأمنية” في لبنان وسوريا وقطاع غزة. وفي هذا الصدد، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن الولايات المتحدة تتحمل المسؤولية الكاملة عن ضمان تنفيذ مذكرة الاتفاق الإطاري لإنهاء الحرب، مشيراً إلى أن التزام واشنطن هو المحك الحقيقي لنجاح هذا المسار الدبلوماسي.
وأكد عراقجي، خلال سلسلة اتصالات هاتفية أجراها مع نظرائه في مصر وتركيا والعراق، على ضرورة الوقف الكامل والفوري للاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية. وأشارت التقارير الدبلوماسية إلى أن طهران ترى في واشنطن الضامن الأساسي للجانب الإسرائيلي، مما يضع مصداقية التفاهمات الأخيرة على المحك أمام المجتمع الدولي والقوى الإقليمية التي تراقب بحذر مدى الالتزام ببنود الاتفاق.


