كشفت تسريبات حصرية لموقع “أكسيوس” الإخباري الأمريكي عن مخاوف عميقة داخل أروقة الإدارة الأمريكية من الانزلاق إلى سيناريو “لا حرب ولا اتفاق” مع طهران، وهو ما يُعرف بـ صراع مجمد مع إيران. هذا السيناريو، الذي يصفه مسؤولون أمريكيون مقربون من الرئيس دونالد ترامب بأنه الأسوأ سياسياً واقتصادياً، يعني بقاء القوات الأمريكية في المنطقة لفترة طويلة، مع استمرار إغلاق مضيق هرمز والحصار الأمريكي، بينما ينتظر كل طرف أن يتراجع الآخر أو يصعد الموقف. وتأتي هذه المخاوف في ظل اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، مما يزيد من الضغوط على إدارة ترامب لإيجاد حل أو مسار واضح للأزمة.
جذور التوتر: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى
لفهم السياق الحالي للمخاوف الأمريكية من صراع مجمد مع إيران، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للعلاقات المتوترة بين البلدين. فبعد سنوات من المفاوضات الشاقة، توصلت القوى العالمية وإيران في عام 2015 إلى الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، الذي قيد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من هذا الاتفاق بشكل أحادي في مايو 2018 تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، معتبرةً أنه لا يعالج بشكل كافٍ سلوك إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي. أعقب الانسحاب فرض واشنطن سياسة “الضغط الأقصى”، التي تضمنت إعادة فرض عقوبات اقتصادية صارمة بهدف خنق الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على التفاوض على اتفاق جديد أوسع نطاقاً. هذه السياسة أدت إلى تصعيد التوترات بشكل كبير في منطقة الخليج، وشهدت حوادث استهداف ناقلات نفط ومنشآت نفطية، بالإضافة إلى إسقاط طائرات مسيرة، مما دفع المنطقة إلى حافة المواجهة العسكرية المباشرة في عدة مناسبات.
خيارات ترامب الصعبة: بين التصعيد والانتظار
يشير موقع “أكسيوس” نقلاً عن خمسة مستشارين تحدثوا مع ترامب، إلى أن الرئيس يتردد بين خيارين رئيسيين: شن ضربات عسكرية جديدة ضد إيران، أو الاستمرار في سياسة الانتظار لمعرفة ما إذا كانت سياسة “الضغط الأقصى” ستدفع إيران إلى طاولة المفاوضات. ويرى أحد المستشارين أن الإيرانيين “لا يفهمون سوى لغة القوة”، بينما يصف آخرون ترامب بأنه “عنيد ولكنه واقعي”، فهو لا يرغب في استخدام القوة لكنه أيضاً لا ينوي التراجع. هذا التردد يعكس التعقيدات الجيوسياسية والاقتصادية التي تحيط بالملف الإيراني، حيث أن أي تصعيد عسكري قد يؤدي إلى حرب إقليمية واسعة النطاق، بينما الاستمرار في الوضع الراهن قد يطيل أمد الأزمة دون حل واضح.
تداعيات الصراع المجمد: تهديد للاستقرار الإقليمي والاقتصاد العالمي
إن سيناريو الصراع المجمد مع إيران يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، يعني استمرار التوتر بقاء منطقة الخليج في حالة تأهب قصوى، مما يهدد أمن الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنقل النفط العالمي. هذا الوضع يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، مما يضر بالاقتصاديات الكبرى. كما أن استمرار هذا الصراع قد يغذي الصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا والعراق، ويزيد من حالة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط. دول المنطقة، وخاصة دول الخليج، ستظل تحت ضغط أمني واقتصادي كبير. أما على الصعيد الدولي، فإن عدم وجود حل دبلوماسي أو عسكري واضح يعني استمرار حالة عدم اليقين، مما يؤثر على الاستثمارات العالمية ويخلق بيئة غير مستقرة للسياسة الخارجية للقوى الكبرى. كما أن خطر انتشار الأسلحة النووية يظل قائماً في ظل استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم وانسحابها التدريجي من التزامات الاتفاق النووي.
مقترحات إيرانية مرفوضة وموقف أمريكي حازم
في خضم هذه التوترات، كشفت مصادر لشبكة CNN أن الرئيس ترامب رفض مؤخراً مقترحاً إيرانياً جديداً، تم نقله عبر وساطة باكستانية. هذا المقترح كان يتضمن إنهاء الحصار الأمريكي وفتح مضيق هرمز، مقابل تأجيل القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي إلى مفاوضات لاحقة بعد انتهاء الحرب. وذكر مسؤولون مطلعون أن ترامب نقل وجهة نظره خلال اجتماع عُقد أمس الاثنين مع كبار مسؤولي الأمن القومي، مؤكداً أنه من غير المرجح أن يقبل المقترح الإيراني الأخير الذي يهدف إلى تجاوز مسألة الملف النووي للوصول إلى اتفاق أسرع. وأوضح مصدران أن المقترح الإيراني الجديد يركز أولاً على حل أزمة مضيق هرمز والحصار الأمريكي، مع تمديد وقف إطلاق النار لفترة طويلة أو الاتفاق على إنهاء دائم للحرب. وبموجب هذا المقترح، لن تبدأ المفاوضات النووية إلا في مرحلة لاحقة، بعد إعادة فتح مضيق هرمز ورفع العقوبات. من جانبه، صرح المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية، رضا طلاعي نيك، اليوم الثلاثاء، أن الولايات المتحدة لم تعد في وضع يسمح لها بفرض سياستها على الدول المستقلة، مضيفاً أن واشنطن ستتقبل التخلي عن مطالبها غير القانونية وغير المنطقية، وفقاً لما نقله التلفزيون الإيراني. وكان مسؤول إيراني قد توقع في وقت سابق أن يكون هناك عودة محدودة للقتال، ومن ثم الانتقال إلى المفاوضات.


