تتجه أنظار العالم بأسره إلى مدينة إسطنبول التركية، حيث تستعد لاستضافة جولة مفاوضات بالغة الأهمية بين الولايات المتحدة وإيران. هذه المحادثات، المقرر عقدها قريباً، تمثل منعطفاً حاسماً في ملف البرنامج النووي الإيراني والعلاقات المتوترة بين البلدين، خاصة وأنها تعقد للمرة الأولى منذ أكثر من عقدين دون مشاركة أوروبية مباشرة، مما يضفي عليها طابعاً فريداً ومحفوفاً بالتحديات.
كشف مسؤول دبلوماسي إقليمي أن ست دول إقليمية رئيسية تلقت دعوات للمشاركة في هذه المحادثات المرتقبة، وهي المملكة العربية السعودية، ومصر، وتركيا، وقطر، وسلطنة عُمان، وباكستان. هذه الدعوات تشير إلى إدراك عميق للأبعاد الإقليمية للصراع، وتأثيره المحتمل على استقرار المنطقة بأسرها. ورغم أن إطار المحادثات لا يزال غير واضح تماماً، إلا أن الأولوية القصوى تتركز على تحقيق التهدئة وتجنب أي تصعيد قد يؤدي إلى صراع أوسع، بحسب ما نقلته وكالة رويترز.
تأتي هذه الجولة من المفاوضات في سياق تاريخي معقد، يعود إلى أوائل الألفية الجديدة مع تصاعد المخاوف الدولية بشأن طبيعة البرنامج النووي الإيراني. وقد شهدت السنوات الماضية جولات مكثفة من الدبلوماسية، توجت بالتوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا والاتحاد الأوروبي). إلا أن هذا الاتفاق تعرض لانتكاسة كبيرة عندما انسحبت منه الولايات المتحدة أحادياً في عام 2018، في عهد الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران، في إطار ما سمي بحملة “الضغط الأقصى”. هذا الانسحاب أدى إلى تدهور حاد في العلاقات وتصاعد التوترات بشكل غير مسبوق.
المحادثات المرتقبة في إسطنبول، والتي ستعقد على المستويين الثنائي والثلاثي بالإضافة إلى اجتماعات أخرى، تهدف إلى إحياء الجهود الدبلوماسية بشأن النزاع طويل الأمد حول البرنامج النووي الإيراني وتبديد المخاوف المتزايدة من اندلاع حرب إقليمية جديدة. وقد أعلن مسؤولون إيرانيون وأمريكيون عن استئناف هذه المحادثات، حيث من المتوقع أن يلتقي المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي.
تتزامن هذه التطورات مع تصاعد ملحوظ في التوترات العسكرية، بما في ذلك حشد عسكري للبحرية الأمريكية قرب السواحل الإيرانية، وتحذيرات سابقة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من عواقب وخيمة في حال عدم التوصل إلى اتفاق، مشيراً إلى توجه سفن حربية أمريكية ضخمة إلى المنطقة. وقد كشفت مصادر إيرانية لوكالة رويترز أن ترامب طرح ثلاثة شروط مسبقة لاستئناف المحادثات الجوهرية: عدم تخصيب اليورانيوم في إيران، فرض قيود على برنامجها للصواريخ الباليستية، وإنهاء دعمها لحلفائها ووكلائها في المنطقة. هذه الشروط تمثل نقاط خلاف جوهرية، حيث دأبت طهران على رفضها، معتبرة إياها انتهاكاً غير مقبول لسيادتها الوطنية. ومع ذلك، أشار مسؤولان إيرانيان إلى أن قادة إيران يرون أن برنامج الصواريخ الباليستية يمثل العقبة الأكبر أمام أي اتفاق، وليس تخصيب اليورانيوم.
إن أهمية هذه المحادثات تتجاوز حدود البلدين لتشمل المنطقة والعالم. فنجاحها قد يفتح الباب أمام فترة من التهدئة والاستقرار، ويقلل من مخاطر المواجهة العسكرية التي قد تكون لها تداعيات كارثية على الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة، خاصة مع مرور جزء كبير من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز. أما فشلها، فقد يدفع بالمنطقة نحو مزيد من التصعيد، مع ما يحمله ذلك من تهديد للسلم والأمن الدوليين. إن مشاركة الدول الإقليمية المدعوة، حتى لو كانت بصفة مراقب أو مستشار، تعكس الحاجة الملحة لإيجاد حلول شاملة تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف المتأثرة بهذا الصراع المعقد.
في ظل هذه الظروف المعقدة، تبقى الأنظار معلقة على إسطنبول، حيث ستتضح ملامح المرحلة القادمة من هذا الملف الشائك. فهل تنجح الدبلوماسية في نزع فتيل التوتر، أم أن الخلافات العميقة ستستمر في إلقاء بظلالها على مستقبل المنطقة؟


