في خضم تصاعد التوترات الإقليمية والتحركات الباكستانية المكثفة لإيجاد مخرج للأزمة، تتجه الأنظار نحو نيويورك حيث من المرتقب أن يشارك مسؤول إيراني رفيع في اجتماع دولي بمبادرة صينية، في خطوة قد تمثل بارقة أمل لإعادة إحياء مسار المفاوضات بين أمريكا وإيران. فقد كشف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، عن زيارة محتملة لنائب وزير الخارجية عباس عراقجي إلى نيويورك للمشاركة في اجتماع خاص لمجلس الأمن الدولي دعت إليه الصين، التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس، بهدف مناقشة قضايا السلم والأمن الدوليين.
تأتي هذه التطورات الدبلوماسية في سياق معقد يعود جذوره إلى قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على طهران ضمن سياسة “الضغط الأقصى”. هذا القرار دفع إيران إلى الرد عبر تقليص التزاماتها النووية بشكل تدريجي، مما أدى إلى تصعيد خطير في منطقة الخليج، ووضع المنطقة على شفا مواجهة عسكرية مباشرة في أكثر من مناسبة.
مساعي الوساطة ودورها في المفاوضات بين أمريكا وإيران
في ظل هذا الجمود، برزت عدة أطراف دولية وإقليمية في محاولة للوساطة وتخفيف حدة التوتر. وتعد التحركات الباكستانية الأخيرة أبرز مثال على ذلك، حيث زار وزير الداخلية الباكستاني طهران للمرة الثانية خلال أسبوع واحد، حاملاً رسائل ومقترحات تهدف إلى بناء جسور الثقة وتمهيد الطريق لحوار مباشر أو غير مباشر. وتستمد باكستان أهمية دورها من علاقاتها الجيدة مع كل من إيران والولايات المتحدة، بالإضافة إلى جوارها الجغرافي الذي يجعلها معنية بشكل مباشر باستقرار المنطقة.
على الجانب الآخر، تمثل المبادرة الصينية تحولاً مهماً، حيث تسعى بكين، كإحدى القوى الكبرى الموقعة على الاتفاق النووي، إلى الحفاظ على هيكل الاتفاق ومنع انهياره بالكامل. وتوفر الدعوة لاجتماع في نيويورك منصة متعددة الأطراف قد تسمح لإيران بطرح وجهة نظرها أمام المجتمع الدولي دون الدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهو ما قد يفتح الباب أمام حلول دبلوماسية مبتكرة.
تحديات داخلية وتصعيد عسكري محتمل
داخلياً، تواجه القيادة الإيرانية ضغوطاً متزايدة جراء الأزمة الاقتصادية الخانقة التي سببتها العقوبات، وهو ما أشار إليه المرشد الإيراني علي خامنئي في رسائله التي شدد فيها على ضرورة “التكاتف وتعزيز المعنويات لحل مشاكل المواطنين”. هذا الوضع الداخلي يجعل من البحث عن مخرج دبلوماسي أمراً ملحاً للنظام الإيراني.
وفي المقابل، كشفت تقارير صحفية، نقلتها صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية عن مصادر عسكرية، عن مدى اقتراب المنطقة من حرب شاملة، حيث أكدت أن الرئيس الأمريكي كان على بعد ساعات قليلة من إصدار أمر بشن هجوم عسكري على إيران. وأوضحت المصادر أن أي هجوم أمريكي كان سيؤدي بشكل شبه مؤكد إلى انخراط إسرائيل في القتال، مما كان سيشعل حريقاً إقليمياً يصعب السيطرة عليه. هذه الحقيقة تبرز الأهمية القصوى للجهود الدبلوماسية الحالية التي تقودها الصين وباكستان، والتي تعد الفرصة الأخيرة لتجنيب المنطقة والعالم عواقب كارثية.


