spot_img

ذات صلة

مفاوضات أمريكا وإيران: هل تمنع الدبلوماسية حرباً بالشرق الأوسط؟

في ظل تصاعد التوترات التي تهدد باشعال فتيل أزمة كبرى في الشرق الأوسط، تتجه الأنظار إلى سلطنة عُمان، التي تستضيف جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران. ووفقاً لتقرير لصحيفة “نيويورك تايمز”، فإن لغة المدافع قد أفسحت المجال مؤقتاً للغة الدبلوماسية، لكن المسار نحو التهدئة لا يزال محفوفاً بالمخاطر، حيث يقف الطرفان على حافة مواجهة لا يرغبان فيها، لكنهما يستعدان لها بكل قوة.

خلفية تاريخية متوترة: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغط الأقصى

تعود جذور التوتر الحالي إلى عقود من العداء منذ الثورة الإيرانية عام 1979، لكن المحطة الأبرز في السنوات الأخيرة كانت “خطة العمل الشاملة المشتركة” أو ما يعرف بالاتفاق النووي لعام 2015. هذا الاتفاق، الذي أبرمته إيران مع مجموعة (5+1)، كان يهدف إلى تقييد برنامج طهران النووي مقابل رفع العقوبات الاقتصادية. إلا أن المشهد تغير جذرياً في عام 2018 عندما أعلن الرئيس الأمريكي آنذاك، دونالد ترامب، انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق، واصفاً إياه بـ”الأسوأ في التاريخ”، وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن استراتيجية “الضغط الأقصى” بهدف إجبار إيران على التفاوض على اتفاق جديد بشروط أمريكية.

استراتيجيات متضاربة على طاولة المفاوضات

يشير التقرير إلى أن الرئيس ترامب يجد نفسه مرة أخرى أمام خصمه الإيراني، في محاولة لتحقيق إنجاز دبلوماسي. لكن لكل طرف استراتيجيته الخاصة؛ فطهران تراهن على تكتيكها المعتاد في “إطالة أمد المفاوضات” لكسب الوقت، على أمل أن يكون ترامب مدفوعاً برغبة ملحة في تحقيق “انتصار سريع” يعزز رصيده السياسي قبل الانتخابات، دون الانجرار إلى حرب إقليمية شاملة. من جانبه، يدرك ترامب أن أي صراع طويل الأمد قد يستنزف الاقتصاد الأمريكي ويغضب قاعدته الشعبية الرافضة للحروب المكلفة، مما يجعله يفضل اتفاقاً يمنحه لقب “صانع السلام”.

فجوة المطالب: عقبة كبرى أمام الحل الدبلوماسي

يكمن “الطريق الضيق” للدبلوماسية في الفجوة الهائلة بين سقف مطالب الطرفين. فواشنطن تصر على شروطها القصوى التي تشمل “صفر تخصيب” لليورانيوم، وتفكيك ترسانة الصواريخ الباليستية، وإنهاء نفوذ إيران الإقليمي عبر وكلائها. هذه المطالب تعتبرها طهران دعوة إلى “الاستسلام الكامل” وليست أساساً للتفاوض، مؤكدة أن قدراتها الدفاعية وبرنامجها النووي السلمي خطوط حمراء غير قابلة للنقاش. ويواجه ترامب معضلة حقيقية: فإذا قدم تنازلات، سيبدو وكأنه يعود إلى الاتفاق القديم الذي انتقده بشدة، وإذا تمسك بمواقفه المتشددة، فقد يصل المسار الدبلوماسي إلى طريق مسدود، مما يجعل الخيار العسكري هو الملاذ الأخير لإنقاذ مصداقيته السياسية.

أهمية الحدث وتأثيره المتوقع

إن نتائج هذه المفاوضات تتجاوز حدود واشنطن وطهران لتؤثر على استقرار العالم بأسره. فأي مواجهة عسكرية في منطقة الخليج، التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات النفط العالمية عبر مضيق هرمز، ستؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة وستحدث اضطراباً في الاقتصاد العالمي. إقليمياً، يراقب حلفاء الولايات المتحدة، خاصة إسرائيل والمملكة العربية السعودية، هذه المحادثات بقلق بالغ، خشية التوصل إلى اتفاق لا يلبي مخاوفهم الأمنية. لذلك، يمثل النجاح الدبلوماسي فرصة لنزع فتيل أزمة إقليمية ومنع سباق تسلح نووي في المنطقة، بينما يعني الفشل الدخول في دوامة عنف يصعب التنبؤ بعواقبها.

مفترق طرق حاسم: الدبلوماسية كفرصة أخيرة

يرى المحللون أن العودة إلى الدبلوماسية تبدو بمثابة “فرصة أخيرة” لتجنب الانفجار الكبير، لكنها فرصة مكبلة بانعدام الثقة التاريخي وتضارب المصالح الاستراتيجية. إن رهان طهران على عامل الوقت، ورهان واشنطن على انهيار النظام الإيراني تحت وطأة العقوبات، قد ينتهيان بنتيجة كارثية إذا لم يتمكن الطرفان من إيجاد “مخرج وسط” يحفظ ماء الوجه ويحقق حداً أدنى من المصالح المشتركة، وهو ما يبدو صعب المنال في هذا المناخ المشحون بالشكوك والتهديدات.

spot_imgspot_img