تتجه الأنظار اليوم (الجمعة) نحو محادثات واشنطن وطهران، التي لا تمثل مجرد جولة تفاوضية جديدة في سجل طويل من المحاولات الدبلوماسية، بل اختبارًا صامتًا لمن يمتلك زمام الوقت أكثر من أوراق القوة. هذه المحادثات تأتي في سياق تاريخي معقد، يمتد لعقود من التوتر والعداء المتبادل، وتصاعدت حدته بشكل خاص بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية على طهران. ردت إيران بتقليص تدريجي لالتزاماتها النووية، مما أدى إلى تسارع برنامجها النووي وزيادة مخاوف المجتمع الدولي. تسعى إدارة بايدن إلى العودة للدبلوماسية، لكنها تواجه تحديًا كبيرًا في إقناع إيران بالعودة إلى الامتثال الكامل للاتفاق الأصلي، مع رغبة واشنطن وحلفائها في معالجة قضايا إضافية مثل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ونفوذها الإقليمي.
في لحظة تتراجع فيها الأطر التفاوضية التقليدية، ويغيب الحضور الأوروبي للمرة الأولى عن طاولة اعتادت أن تضم أطرافًا متعددة، يجلس الأمريكي والإيراني في مواجهة سياسية شبه مباشرة. يسود جو حذر سبق انعقاد الجولة، ويعكس تصلبًا متبادلاً في تحديد سقوف الانخراط. لا يُقاس النجاح بما سيُعلن رسميًا، بل بما سيُفهم في العواصم الإقليمية كإشارة، لا كاتفاق ملزم. في هذا الإطار، تكتسب التحركات السابقة أهمية واضحة في رسم حدود الجولة، سواء من جهة اللقاء الذي جرى في القدس بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، والذي لم يكن مجرد استعراض للحقائق، بل محطة لتنسيق المواقف بين واشنطن وتل أبيب قبل الجلوس مع الإيرانيين. شدد الجانب الإسرائيلي فيه على ضرورة أن يشمل أي مسار تفاوضي محتمل ملف الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي الإيراني، بينما حاولت واشنطن طمأنتهم دون إغلاق باب الحوار. أو من جهة ما أبلغته إيران للولايات المتحدة، بأنها ستناقش برنامجها النووي فقط، مما يحدد سقفًا للاتفاق المتوقع ويضع حدودًا واضحة أمام أي نقاش موسع حول الملفات الإقليمية. يعكس هذا الإطار كيف يجب فهم كل تحرك على الطاولة الأمريكية-الإيرانية في سياق توازنات إقليمية أوسع، حيث يسعى كل طرف لقراءة خطوات الآخر بعناية قبل أن يتحول أي تقدم إلى اتفاق ملموس.
تتجاوز أهمية هذه المفاوضات مجرد الملف النووي. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن تؤثر نتائجها بشكل مباشر على استقرار الشرق الأوسط، وتحديد مسار الصراعات بالوكالة في اليمن وسوريا ولبنان والعراق. كما أنها قد تؤثر على أسعار النفط العالمية وأمن الممرات الملاحية الحيوية. دول الخليج العربي وإسرائيل تتابع هذه المحادثات بقلق بالغ، خشية أن تؤدي أي تسوية إلى تعزيز النفوذ الإيراني أو تقويض أمنها. دوليًا، تمثل هذه المفاوضات اختبارًا حاسمًا لمبدأ عدم الانتشار النووي ومصداقية الدبلوماسية الأمريكية. كما أنها تؤثر على علاقات واشنطن بحلفائها الأوروبيين والآسيويين، الذين يمتلكون مصالح اقتصادية وأمنية في المنطقة. غياب الأوروبيين عن الطاولة ليس مجرد تفصيل شكلي، بل يعكس تحولًا في إدارة الملف الإيراني، حيث تعاد ترتيب الأولويات بعيدًا عن الصيغ متعددة الأطراف. هذه الجولة لن تنتهي إلى اتفاق شامل يغطي كل الملفات دفعة واحدة، بل تهدف إلى رسم الحدود الممكن الاتفاق عليها وتحديد النقاط التي ستظل موضع خلاف. في الوقت نفسه، يعكس التوقيت حاجة استراتيجية: إدارة التوتر الإقليمي للحد من أي تصعيد قد يخرج عن السيطرة.
السيناريوهات المتوقعة
من منظور السيناريوهات، تظهر ثلاثة احتمالات رئيسية تُقرأ في ضوء المناخ الحذر الذي سبق انعقاد الجولة، إذ لا تُطرح كمسارات حاسمة بل كأطر محتملة لإدارة التباين القائم بين واشنطن وطهران:
السيناريو الأول: اختراق محدود يركز على الملف النووي.
وهو السيناريو الأكثر تداولًا، ويقوم على تفاهمات جزئية تتعلق بمستويات تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة، مقابل تخفيف مدروس لبعض العقوبات. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى أي تقدم محتمل بوصفه مدخلًا لاتفاق شامل، بل كخطوة تهدف إلى ضبط الإيقاع ومنع الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة. يظل هذا السيناريو محكومًا بسقف واضح، يستبعد الخوض في ملفات الصواريخ أو النفوذ الإقليمي، مما يعكس رغبة الطرفين في تحقيق مكاسب محدودة دون كلفة سياسية أو استراتيجية مرتفعة.
السيناريو الثاني: إدارة الخلاف دون نتائج ملموسة.
في هذا الاحتمال، تتحول الجولة إلى قناة تواصل أكثر منها مسارًا تفاوضيًا فعليًا، مع التركيز على إبقاء الخطوط مفتوحة وتفادي أي تصعيد غير محسوب. ينسجم هذا السيناريو مع مؤشرات ميدانية وسياسية توحي بأن خيار القوة لم يُستبعد بالكامل، لكنه يخضع في المقابل لضوابط دقيقة تمنع تحوله إلى مواجهة مباشرة. يتعامل الإعلام الإيراني مع هذا المسار بوصفه الأقل كلفة في المرحلة الحالية، شريطة ألا يقترن بشروط أمريكية تعد تجاوزًا للخطوط الحمراء، مما يجعل المحادثات جزءًا من إدارة أزمة مستمرة لا من حلها.
السيناريو الثالث: توسيع النقاش تدريجيًا عبر مسارات موازية.
وهو السيناريو الأقل ترجيحًا لكنه حاضر في بعض الأوساط الأمريكية، ويقوم على إدخال ملفات إقليمية وصاروخية بشكل غير مباشر أو عبر قنوات جانبية. يواجه هذا المسار تحفظات إيرانية واضحة في ظل خشية من ربط أي تقدم نووي بتنازلات أوسع تمس توازنات إقليمية حساسة. كما يثير هذا السيناريو قلق أطراف إقليمية تخشى أن تُدار تفاهمات معقدة خلف الكواليس، مما يجعله رهينًا لحسابات دقيقة تتجاوز طاولة التفاوض المباشر.
التحديات وغياب الأوروبيين
التحديات التي تواجه هذه الجولة تتجاوز مجرد محتوى الملفات. فالتباين في التقديرات حول البرنامج النووي الإيراني، وتطوير برامج الصواريخ، وتعقد أدوار الوكلاء المختلفين في المنطقة، يجعل أي اتفاق محدود هشًا ما لم يصاحبه التزام دقيق من كلا الطرفين. غياب الوسطاء الأوروبيين سيزيد من الاعتماد على القنوات المباشرة والرسائل غير المعلنة بين واشنطن وطهران، ويجعل أي تقدم دبلوماسي مرحلي محسوبًا بعناية فائقة. يلعب الجانب الإقليمي بالمقابل دورًا محوريًا في هذا الإطار. الدولة المضيفة ستحاول الحفاظ على موقعها كوسيط قادر على التواصل مع الطرفين، بينما تراقب دول المنطقة الخطوة بدقة، متيقظة لأي انعكاس على موازين القوى أو صفقات أمنية وسياسية مستقبلية. إسرائيل ودول الخليج، وحتى روسيا والصين، يتابعون النتائج عن كثب، كل بحسب رؤيته، الأمر الذي قد يزيد من تعقيد المسار ويحوّل أي تقدم مرحلي إلى إشارة استراتيجية تتجاوز الطابع التفاوضي المباشر.
حلقة في مسار إدارة التوتر
تثير محادثات اليوم أسئلة تتجاوز ما هو معلن على الطاولة، ليس بوصفها محطة حاسمة بل كحلقة في مسار إدارة التوتر في المنطقة. إلى أي حد يمكن أن تسهم هذه الجولة في ضبط مسار التصعيد الإقليمي، دون أن تتحول إلى مدخل لتنازلات جوهرية في الملفات الأخرى؟ وكيف ستُقرأ الإشارات المتبادلة بين الطرفين في العواصم الإقليمية والدولية؟ وهل يمكن أن تتحول إلى أرضية لتفاهمات مرحلية أم ستظل ضمن إطار تهدئة مؤقتة؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الدول العربية والفاعلون الإقليميون والدوليون في إعادة ضبط التوازن بين الأطراف دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة؟ وأخيرًا، هل تشكل هذه الجولة بداية لإعادة تعريف قواعد التفاوض أم حلقة إضافية في دورة مستمرة من التوتر والمفاوضات المؤجلة؟


