spot_img

ذات صلة

مفاوضات أمريكا وإيران: هل تنجح دبلوماسية الفرصة الأخيرة؟

نافذة دبلوماسية ضيقة في سلطنة عمان

في خضم تصعيد عسكري وسياسي خطير، يبدو أن لغة المدافع قد أفسحت المجال مؤقتاً للغة الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، حيث تستضيف سلطنة عمان محادثات حساسة وصفتها صحيفة “نيويورك تايمز” بأنها تجري على “طريق ضيق للغاية”. كل خطوة إلى الأمام محفوفة بمخاطر الانزلاق نحو مواجهة شاملة لا يرغب فيها أي من الطرفين، لكن كلاهما يستعد لها بجدية. هذا المسار الدبلوماسي الهش يمثل ما قد يكون الفرصة الأخيرة لتجنب انفجار كبير يهدد بزعزعة استقرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها.

جذور الأزمة: من الاتفاق النووي إلى سياسة الضغوط القصوى

تعود جذور التوتر الحالي إلى قرار الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب في عام 2018 بالانسحاب من خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، المعروفة إعلامياً بالاتفاق النووي الإيراني، والذي تم توقيعه في عام 2015. وصف ترامب الاتفاق بأنه “الأسوأ في التاريخ”، معتبراً أنه لم يعالج برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني أو نفوذها الإقليمي. تبع الانسحاب فرض حملة “ضغوط قصوى” عبر عقوبات اقتصادية خانقة بهدف إجبار إيران على العودة إلى طاولة المفاوضات للتوصل إلى اتفاق جديد أكثر شمولاً. من جانبها، ردت طهران بالتخلي تدريجياً عن التزاماتها النووية وزيادة مستويات تخصيب اليورانيوم، مما زاد من تعقيد المشهد وأثار قلق القوى الدولية.

فجوة المطالب: بين “صفر تخصيب” والخطوط الحمراء الإيرانية

يكمن جوهر المأزق في الفجوة الهائلة بين سقف توقعات ومطالب كل طرف. تصر واشنطن على شروط صارمة تشمل “صفر تخصيب” لليورانيوم، وتفكيك كامل لترسانة الصواريخ الباليستية، وإنهاء ما تصفه بـ”أنشطة إيران المزعزعة للاستقرار” في المنطقة عبر وكلائها. في المقابل، تعتبر طهران هذه المطالب بمثابة دعوة للاستسلام الكامل وليست أساساً للتفاوض. ويؤكد المسؤولون الإيرانيون، بمن فيهم وزير الخارجية، أن القدرات الدفاعية للبلاد وحقها في التخصيب السلمي للطاقة النووية هي “خطوط حمراء” غير قابلة للنقاش، مما يضع المفاوضين في مواجهة جدار مسدود.

معضلة ترامب وتأثيرها على المفاوضات

يواجه الرئيس ترامب معضلة حقيقية؛ فمن ناحية، يسعى لتحقيق “انتصار سريع” يعزز رصيده السياسي ويقدمه كـ”صانع سلام”، خاصة مع تجنبه الدخول في حروب طويلة ومكلفة لا تحظى بشعبية لدى قاعدته الانتخابية. ومن ناحية أخرى، فإن تقديم أي تنازلات جوهرية، خاصة فيما يتعلق بنسبة التخصيب، سيعني العودة إلى صيغة مشابهة للاتفاق القديم الذي انتقده بشدة. هذا الموقف المتشدد يهدد بنسف المسار الدبلوماسي، وقد يدفعه نحو الخيار العسكري لإنقاذ مصداقيته السياسية. في المقابل، تراهن إيران على استراتيجيتها المعتادة المتمثلة في “إطالة أمد التفاوض” لكسب الوقت، أملاً في أن عامل الزمن ليس في صالح الرئيس الأمريكي.

تداعيات إقليمية ودولية: ما على المحك؟

إن أهمية هذه المفاوضات تتجاوز بكثير حدود واشنطن وطهران. ففشل الدبلوماسية قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية ستكون لها تداعيات كارثية على الصعيدين الإقليمي والدولي. أي صراع مسلح لن يبقى محصوراً، بل قد يمتد ليشمل حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة مثل إسرائيل ودول الخليج. كما يثير هذا السيناريو مخاوف جدية بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من إمدادات النفط العالمية، مما قد يؤدي إلى ارتفاع هائل في أسعار الطاقة واضطراب الاقتصاد العالمي. ويضيف القلق الإسرائيلي من أي اتفاق لا يضمن قيوداً دائمة على البرنامج النووي والصاروخي الإيراني طبقة أخرى من التعقيد، ويضيق مساحة المناورة الدبلوماسية المتاحة للإدارة الأمريكية.

spot_imgspot_img