spot_img

ذات صلة

مفاوضات نووية أمريكية إيرانية في مسقط: تحديات وتوقعات

في ظل أجواء إقليمية متوترة وتصعيد عسكري ملحوظ، استضافت العاصمة العُمانية مسقط جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامج طهران النووي. هذه المحادثات، التي انطلقت بتوقعات محدودة من البيت الأبيض، تأتي في مرحلة حرجة تتسم برسائل قوية من الجانبين، مما يجعلها من أخطر جولات التفاوض بين واشنطن وطهران.

الخلفية التاريخية: سنوات من التوتر والجهود الدبلوماسية

تعود جذور هذه المفاوضات إلى عقود من التوتر حول طموحات إيران النووية. فبعد سنوات من المفاوضات المعقدة، تم التوصل إلى الاتفاق النووي التاريخي، المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، في عام 2015 بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا). هذا الاتفاق كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية. ومع ذلك، انسحبت الولايات المتحدة من الاتفاق بشكل أحادي في عام 2018 خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات اقتصادية قاسية تحت سياسة “الضغط الأقصى”. ردت إيران على ذلك بتقليص تدريجي لالتزاماتها النووية، مما أدى إلى تصاعد التوترات وتزايد المخاوف الدولية بشأن قدرتها على تخصيب اليورانيوم. لطالما لعبت سلطنة عُمان دور الوسيط المحايد والموثوق به بين واشنطن وطهران، مستفيدة من علاقاتها الجيدة مع الطرفين لتسهيل قنوات الاتصال الدبلوماسية، وهو دور تاريخي يعكس سياستها الخارجية المتوازنة.

توقعات واشنطن: دبلوماسية حذرة وضغط شامل

أعرب البيت الأبيض، عبر المتحدثة كارولين ليفيت، عن توقعات حذرة للغاية لهذه الجولة من المحادثات. وأكدت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سيتم إطلاعه مباشرة على نتائج المحادثات فور انتهائها، مشددة على أن ترامب يترقب مخرجات اللقاء لمعرفة ما إذا كان بالإمكان التوصل إلى تفاهم مع طهران. تأتي هذه التصريحات في ظل تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، وهو ما يراه البعض ورقة ضغط إضافية. ليفيت أشارت إلى أن الدبلوماسية تظل الخيار الأول للرئيس الأمريكي في التعامل مع دول العالم، سواء كانت حليفة أو خصمة، موضحة أن خلافات سابقة دارت بين الجانبين حول مكان وشكل المفاوضات قبل الاستقرار على مسقط كموقع. يمثل الولايات المتحدة في هذه المفاوضات ستيفن ويتكوف، كبير المستشارين في السياسة الخارجية لترامب، إلى جانب جاريد كوشنر، مما يؤكد أهمية هذه الجولة للإدارة الأمريكية.

مطالب أمريكية موسعة: ما وراء الملف النووي

تأمل إدارة ترامب أن يشكل الحشد العسكري الأمريكي الكبير في المنطقة ورقة ضغط قوية لانتزاع تنازلات إيرانية أوسع. هذه التنازلات لا تقتصر على البرنامج النووي فحسب، بل تمتد لتشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني المثير للجدل، ووقف دعم طهران للميليشيات الموالية لها في المنطقة. تشمل هذه الميليشيات حركة حماس في غزة، وحزب الله في لبنان، والحوثيين في اليمن، الذين تعتبرهم واشنطن أدوات لزعزعة الاستقرار الإقليمي وتهديد مصالح حلفائها.

موقف طهران: حذر من التجارب السابقة وسعي لاتفاق عادل

من جانبها، أعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن وزير الخارجية عباس عراقجي يترأس الوفد المفاوض. وأكدت الوزارة أن المحادثات ستُجرى “بحزم” وتهدف إلى التوصل إلى تفاهم “عادل ومنصف ومشرف للطرفين” بشأن الملف النووي. أوضح المتحدث باسم الوزارة، إسماعيل بقائي، أن إيران تدخل هذه الجولة وهي مدركة تمامًا لتجاربها السابقة، بما في ذلك ما وصفه بـ “انتهاكات الالتزامات والعدوان العسكري” في يونيو الماضي، بالإضافة إلى “التدخلات الخارجية” خلال الاحتجاجات الشعبية الأخيرة. وشدد بقائي على أن هذه التجارب لا تزال تلقي بظلالها على النهج الدبلوماسي لطهران، مما يعكس حالة من عدم الثقة والحذر في التعامل مع الجانب الأمريكي.

أجندة غامضة وأولويات متضاربة: تحديات المفاوضات

لم يتم الكشف عن جدول أعمال المفاوضات بشكل رسمي حتى الآن، مما يشير إلى وجود خلافات جوهرية حول الأولويات. تؤكد الخارجية الإيرانية سعي طهران لحصر النقاش في البرنامج النووي ورفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها، والتي ألحقت أضرارًا بالغة باقتصادها. في المقابل، تسعى واشنطن إلى توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامج الصواريخ الباليستية الإيرانية ودعمها لحلفائها الإقليميين، مما يجعل التوصل إلى أرضية مشتركة أمرًا بالغ الصعوبة. هذا التباين في الأجندات يعكس عمق الخلافات بين الطرفين ويضع ضغوطًا كبيرة على الوسيط العُماني.

الأهمية والتأثيرات المتوقعة: استقرار إقليمي وأمن عالمي

تكتسب هذه المفاوضات أهمية قصوى على مستويات متعددة. محليًا (لعُمان): يعزز استضافة مسقط لهذه المحادثات دور السلطنة كوسيط إقليمي ودولي موثوق به، مما يعكس سياستها الخارجية الهادئة والمتوازنة ويسهم في تعزيز مكانتها الدبلوماسية. إقليميًا: يمكن أن تسهم هذه المحادثات، في حال نجاحها، في تخفيف حدة التوترات في منطقة الخليج العربي، التي تشهد حالة من عدم الاستقرار بسبب الصراعات بالوكالة والتهديدات الأمنية. أي تقدم في الملف النووي أو في قضايا الصواريخ والدعم الإقليمي يمكن أن يفتح الباب أمام حوار إقليمي أوسع ويقلل من مخاطر المواجهة العسكرية التي قد تكون لها تداعيات كارثية على المنطقة بأسرها. دوليًا: تمثل هذه المفاوضات اختبارًا حاسمًا لمبدأ عدم انتشار الأسلحة النووية. ففشل الدبلوماسية قد يدفع إيران نحو المزيد من التخصيب، مما يثير قلق المجتمع الدولي ويزيد من احتمالات التصعيد. كما أن نتائج هذه المحادثات يمكن أن تؤثر على أسواق الطاقة العالمية، نظرًا لأهمية منطقة الخليج كمصدر رئيسي للنفط والغاز. إن التوصل إلى اتفاق يضمن سلمية البرنامج النووي الإيراني ويحد من نفوذها الإقليمي سيعد إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا له تداعيات إيجابية على الأمن والسلم الدوليين.

في الختام، تبقى مفاوضات مسقط محفوفة بالتحديات، لكنها تمثل بصيص أمل في مسار طويل ومعقد نحو حل دبلوماسي لأحد أكثر الملفات تعقيدًا في السياسة الدولية. إن الرسائل النارية والتوقعات المحدودة تعكس حجم الصعوبات، لكنها لا تلغي ضرورة استمرار الحوار لتجنب سيناريوهات أكثر خطورة.

spot_imgspot_img