في تطور مفاجئ وقبل 48 ساعة فقط من الموعد المقرر لانطلاقها، أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية اليوم (الأربعاء) عن انهيار المحادثات المرتقبة مع إيران، وسط أجواء من التوتر والتصعيد المستمر بين البلدين. وقد جاء هذا الإعلان بعد ساعات قليلة من الكشف عن تفاصيل مكان وزمان هذه المفاوضات الحساسة. وعلى الفور، تبادل الطرفان الاتهامات، حيث حمّل مسؤول أمريكي طهران مسؤولية الفشل، بينما ألقى مسؤول إيراني باللوم على واشنطن.
ونقل موقع «أكسيوس» عن مسؤول أمريكي تأكيده أن واشنطن أبلغت الجانب الإيراني بوضوح أن الخيار المطروح هو “إما هذا أو لا شيء”، وأن الرد الإيراني كان “إذن لا شيء”. وأوضح المسؤول أن الولايات المتحدة رفضت مطالب طهران بتغيير مكان وشكل المحادثات التي كانت مقررة يوم الجمعة. وأشار إلى أن المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، برفقة جاريد كوشنر، سيتوجهان غداً (الخميس) إلى قطر لمناقشة الملف الإيراني قبل العودة إلى ميامي، مؤكداً أن بلاده تسعى للتوصل إلى اتفاق حقيقي وملموس مع إيران، وإلا فإن “خيارات أخرى” ستكون مطروحة. وأضاف المسؤول أن واشنطن مستعدة لاستئناف الاجتماعات مع الإيرانيين في حال عودتهم إلى الصيغة الأصلية للمقترح، مشدداً على رفض السلطات الأمريكية لطلبات إيران الأخيرة بشأن المحادثات، وتحديداً تصميمها على نقل المحادثات من تركيا.
في المقابل، صرح مسؤول إيراني لوكالة «رويترز» بأن طهران مستعدة فقط لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة بشأن الملف النووي. وأكد أن إصرار واشنطن على إدراج قضايا غير نووية في أجندة المحادثات هو ما يعرضها للخطر. وتأتي هذه التطورات بعد أن كانت وسائل إعلام إيرانية رسمية قد أعلنت في وقت سابق من اليوم عن نقل المحادثات، التي كان من المقرر عقدها يوم الجمعة، من تركيا إلى العاصمة العمانية مسقط، بمشاركة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي والمبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف. وقد أكد موقع «أكسيوس» هذا النقل، مشيراً إلى موافقة إدارة الرئيس دونالد ترامب على طلب إيران نقل المحادثات، مع استمرار المفاوضات بشأن إمكانية مشاركة دول عربية وإسلامية. يبدو أن الخلافات اللاحقة حول شكل المحادثات أو نطاقها هي التي أدت إلى انهيارها، رغم التوافق الأولي على تغيير المكان.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخ طويل من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، والذي تفاقم بشكل كبير منذ انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد أعقب هذا الانسحاب فرض حملة “الضغط الأقصى” الأمريكية على طهران، والتي شملت عقوبات اقتصادية واسعة النطاق تهدف إلى خنق الاقتصاد الإيراني وإجبارها على إعادة التفاوض على اتفاق أوسع يشمل برنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. ورداً على ذلك، بدأت إيران في تقليص التزاماتها بموجب الاتفاق النووي تدريجياً، مما أثار مخاوف دولية بشأن مستقبل الاتفاق ومنع الانتشار النووي. وقد شهدت المنطقة خلال هذه الفترة تصعيداً متكرراً، بما في ذلك هجمات على ناقلات نفط ومنشآت نفطية، واحتجاز سفن، وتصاعد التوترات في مضيق هرمز، مما يعكس هشاشة الوضع الأمني الإقليمي.
إن انهيار هذه المحادثات يحمل تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد الإقليمي، قد يؤدي هذا الفشل إلى زيادة حالة عدم الاستقرار وتصاعد التوترات في منطقة الخليج، مع احتمال ارتفاع مخاطر المواجهة العسكرية غير المباشرة أو المباشرة. كما قد يؤثر على أسواق النفط العالمية، خاصة وأن المنطقة تعد شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة. دول الجوار، مثل قطر وعمان وتركيا التي حاولت التوسط، ستشعر أيضاً بوطأة هذا التصعيد. دولياً، يمثل هذا الانهيار تحدياً كبيراً لجهود منع الانتشار النووي وللدبلوماسية الدولية بشكل عام، ويزيد من تعقيد مساعي الدول الأوروبية لإنقاذ الاتفاق النووي. أما على الصعيد المحلي في كل من إيران والولايات المتحدة، فإن استمرار الجمود يلقي بظلاله على الأوضاع الاقتصادية في إيران، ويزيد من الضغوط على الإدارة الأمريكية في سياستها الخارجية، خاصة مع اقتراب الانتخابات الرئاسية.


