تتجه الأنظار نحو العاصمة الباكستانية حيث تنطلق مفاوضات أمريكية إيرانية يوم الجمعة المقبل، في خطوة دبلوماسية حاسمة تهدف إلى نزع فتيل الأزمة المتصاعدة في الشرق الأوسط. وفي ظل هذه التطورات، أعلنت إسرائيل دعمها لقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بتعليق الضربات العسكرية ضد طهران لمدة أسبوعين، إلا أنها شددت بوضوح على أن هذه التهدئة المؤقتة لن تشمل الساحة اللبنانية، مما ينذر باستمرار العمليات العسكرية على الجبهة الشمالية.
تفاصيل الهدنة واستمرار التصعيد الإسرائيلي في لبنان
أكد مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن تل أبيب تؤيد التحرك الأمريكي لخفض التوتر، شريطة أن تبادر طهران فوراً إلى فتح المضيق البحري ووقف هجماتها وهجمات حلفائها ضد الولايات المتحدة وإسرائيل ودول المنطقة. ورغم هذا التوافق المبدئي على التهدئة مع طهران، وجه الجيش الإسرائيلي تحذيرات عاجلة ومتكررة لسكان مدينة صور في جنوب لبنان، مطالباً إياهم بإخلاء منازلهم فوراً والتوجه شمال نهر الزهراني، تمهيداً لشن غارات مكثفة.
وقد جاء هذا الموقف الإسرائيلي الحازم ليدحض توقعات رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي ساهم في جهود الوساطة، والذي أشار سابقاً إلى أن الاتفاق قد يتضمن وقفاً للعمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان. إلا أن الواقع الميداني يعكس استمراراً للتصعيد، حيث أسفرت العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان عن مقتل ما لا يقل عن 1,500 شخص ونزوح نحو 1.2 مليون آخرين، وذلك بعد أن دخل لبنان دائرة الصراع المباشر إثر إطلاق حزب الله صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لإيران.
السياق التاريخي لتوتر العلاقات ومسار أي مفاوضات أمريكية إيرانية
لم تكن التوترات الحالية وليدة اللحظة، بل هي امتداد لعقود من الصراع الجيوسياسي المعقد بين واشنطن وطهران. تاريخياً، شهدت العلاقات بين البلدين قطيعة دبلوماسية منذ عام 1979، وتخللتها محطات تصعيد كبرى، أبرزها أزمة الرهائن، وحرب الناقلات في الثمانينيات، وصولاً إلى أزمة البرنامج النووي الإيراني. وقد حاولت الإدارات الأمريكية المتعاقبة استخدام سياسة “الضغوط القصوى” تارة، والمسارات الدبلوماسية تارة أخرى، كما حدث في الاتفاق النووي عام 2015 الذي انسحبت منه واشنطن لاحقاً.
في هذا السياق، تأتي أي مفاوضات أمريكية إيرانية جديدة كمحاولة لاحتواء الانفجار الشامل في المنطقة. وتؤكد إسرائيل دائماً في هذا الصدد دعمها للجهود الأمريكية الرامية إلى ضمان عدم امتلاك إيران قدرات تشكل تهديداً نووياً أو صاروخياً، أو ما تصفه بـ”الإرهاب” ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل أو الدول العربية المجاورة.
الأهمية الاستراتيجية وتداعيات الحدث إقليمياً ودولياً
تحمل المحادثات المرتقبة في إسلام أباد أهمية بالغة تتجاوز حدود البلدين لتشمل تداعياتها الساحتين الإقليمية والدولية. على الصعيد المحلي والإقليمي، يمثل تعليق الضربات العسكرية فرصة لالتقاط الأنفاس وتجنب حرب إقليمية واسعة قد تدمر البنى التحتية وتزيد من تفاقم الأزمات الإنسانية والاقتصادية في الشرق الأوسط. كما أن فتح المضايق البحرية، وتحديداً مضيق هرمز، يعد مطلباً حيوياً لضمان استقرار إمدادات الطاقة العالمية وحركة الملاحة الدولية.
أما على الصعيد الدولي، فإن نجاح هذه الجهود الدبلوماسية سيعزز من استقرار الأسواق العالمية التي تتأثر بشدة بأي توتر في منطقة الخليج العربي. ومع ذلك، فإن إصرار إسرائيل على فصل مسار التهدئة الإيراني عن الجبهة اللبنانية يضع المجتمع الدولي أمام تحدٍ كبير، حيث يخشى المراقبون أن يؤدي استمرار المعارك في جنوب لبنان إلى إفشال جهود السلام الأوسع، وجر أطراف أخرى إلى أتون الصراع، مما يجعل الأيام القادمة حاسمة في تحديد مسار الأمن والسلم الدوليين.


