في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، يبرز غياب الثقة كعقبة رئيسية تهدد مسار المفاوضات الأمريكية الإيرانية الحالية. وفي تطور لافت، كشفت تقارير إعلامية غربية وإسرائيلية عن تحركات دبلوماسية مكثفة تتضمن تسليم مقترحات أمريكية إلى طهران عبر وسطاء إقليميين، مع أنباء عن منح الولايات المتحدة وإسرائيل حصانة مؤقتة لمسؤولين إيرانيين بارزين لتسهيل عملية التفاوض.
تفاصيل الحصانة المؤقتة والتحركات الدبلوماسية
نقلت القناة 14 الإسرائيلية عن مسؤولين إسرائيليين تأكيدهم أن أمريكا وإسرائيل منحتا وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، ورئيس البرلمان محمد باقر قليباف، حصانة لمدة خمسة أيام على الأقل. وتغطي هذه الحصانة مدة الجولة الحالية من المحادثات، رغم أن السلطات الأمريكية أو الإسرائيلية أو الإيرانية لم تؤكد هذا الترتيب رسمياً حتى الآن. وفي المقابل، أعربت وزارة الخارجية الإيرانية عن عدم ثقتها في الدبلوماسية الأمريكية، مشيرة إلى تجارب سابقة، ومؤكدة أن عراقجي يضطلع بدوره الدبلوماسي على أكمل وجه، بينما يمارس قليباف مهماته ضمن صلاحياته الدستورية. ونقلت شبكة “سي إن إن” عن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، قوله إن طهران مستعدة للاستماع إلى مقترحات مستدامة لإنهاء الصراع.
الجذور التاريخية لأزمة الثقة في المفاوضات الأمريكية الإيرانية
لا يمكن فهم التعقيدات الحالية دون النظر إلى السياق التاريخي الذي يغلف المفاوضات الأمريكية الإيرانية. تعود أزمة الثقة العميقة بشكل رئيسي إلى عام 2018، عندما قرر الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الانسحاب أحادي الجانب من الاتفاق النووي (خطة العمل الشاملة المشتركة) الموقع عام 2015، رغم التزام طهران ببنوده في ذلك الوقت وفقاً لتقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية. أعقب ذلك فرض واشنطن لحملة “الضغوط القصوى” والعقوبات الاقتصادية القاسية. هذا الإرث التاريخي القريب يفسر التصريحات الإيرانية الحالية للوسطاء بأنها “تعرضت مرتين للخديعة من قبل ترمب”، وأنها ترفض بشدة التعرض لموقف مشابه للمرة الثالثة، مما يجعل الضمانات شرطاً أساسياً لأي تقدم.
الموقف الأمريكي ومساعي إثبات الجدية
في محاولة لتبديد الشكوك الإيرانية، أبلغ البيت الأبيض طهران بجدية الرئيس ترمب في العودة إلى طاولة الحوار. وكشف مسؤول أمريكي لموقع “أكسيوس” عن احتمال مشاركة نائب الرئيس، جي دي فانس، في المحادثات كدليل ملموس على هذه الجدية، مبيناً أن مستشار ترمب هو من أوصى بهذه الخطوة. ورغم أن مسؤولاً في البيت الأبيض أوضح أن خيار العملية البرية في إيران لا يزال قائماً ولم يُتخذ قرار بشأنه، إلا أنه أكد تفاؤل ترمب بفرص التفاوض، مشيراً إلى أن عقد اجتماع في باكستان أمر ممكن ولكنه لم يُحسم نهائياً.
دور تركيا وباكستان في تقريب وجهات النظر
تلعب الدبلوماسية الإقليمية دوراً محورياً في هذه المرحلة الحساسة. فقد صرح مصدر إيراني كبير لوكالة “رويترز” أن باكستان سلمت إيران مقترحاً أمريكياً يتألف من 15 بنداً لإنهاء التوترات، رغم عدم حسم مكان المحادثات المباشرة. بالتوازي مع ذلك، أكد هارون أرمجان، نائب رئيس الشؤون الخارجية في حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا، أن أنقرة تلعب دوراً نشطاً في نقل الرسائل بين طهران وواشنطن لتشجيع التهدئة وتسهيل إجراء مفاوضات مباشرة، مما يعكس رغبة إقليمية واسعة في تجنب التصعيد.
التداعيات الإقليمية والدولية لنجاح أو فشل المباحثات
تكتسب هذه التحركات الدبلوماسية أهمية بالغة تتجاوز حدود البلدين. فعلى الصعيد الإقليمي، من شأن نجاح هذه الجهود أن يسهم في نزع فتيل الأزمات المتعددة في الشرق الأوسط، بما في ذلك التوترات في غزة ولبنان والبحر الأحمر، مما يعيد الاستقرار النسبي للمنطقة. أما على الصعيد الدولي، فإن أي انهيار للمحادثات وانزلاق نحو مواجهة عسكرية مباشرة سيؤدي حتماً إلى تداعيات كارثية على أمن الملاحة الدولية في مضيق هرمز، مما يهدد بإحداث صدمة في أسواق الطاقة العالمية وارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط، وهو ما تسعى القوى الكبرى لتجنبه في ظل التحديات الاقتصادية العالمية الحالية.


