في ظل تصاعد التوترات الإقليمية والدولية، كشفت تقارير إعلامية عن مناقشات مكثفة بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول إمكانية اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران. وقد أشارت شبكة “سي بي إس” (أو “سي إن إن” حسب المصدر الأصلي) إلى أن الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب أبدى دعمه لشن ضربات إسرائيلية محتملة تستهدف برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني، وذلك في حال فشل المساعي الدبلوماسية والمفاوضات بين واشنطن وطهران.
تأتي هذه المناقشات، التي جرت في ديسمبر الماضي في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، لتعكس عمق القلق الأمريكي والإسرائيلي إزاء التطورات في الملف النووي والصاروخي الإيراني. ووفقًا للشبكة، فقد بدأت نقاشات داخلية بين كبار المسؤولين في الجيش الأمريكي وأجهزة الاستخبارات لاستكشاف سبل دعم جولة جديدة من الضربات الإسرائيلية المحتملة ضد أهداف إيرانية. وذكر مسؤولان أمريكيان مطلعان أن المحادثات الأمريكية ركزت على كيفية تقديم دعم أكبر لإسرائيل، يتجاوز مجرد قدرتها على التحرك، ليشمل تزويد الطائرات الإسرائيلية بالوقود اللازم وتسهيلات لوجستية حيوية، مما يشير إلى استعداد أمريكي لتعزيز القدرات الهجومية الإسرائيلية بشكل ملموس.
السياق التاريخي والتهديدات المتصورة
إن التوتر بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، ليس وليد اللحظة، بل يمتد لعقود. فبرنامج إيران النووي، الذي بدأ في السبعينيات، أثار مخاوف دولية واسعة النطاق بشأن نواياه السلمية، خاصة بعد الكشف عن منشآت سرية. وقد بلغت هذه المخاوف ذروتها مع سعي إيران لتخصيب اليورانيوم، مما دفع المجتمع الدولي لفرض عقوبات اقتصادية شديدة. وفي عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي المعروف باسم خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA) بين إيران ومجموعة 5+1 (الولايات المتحدة، روسيا، الصين، فرنسا، المملكة المتحدة، وألمانيا)، بهدف تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. إلا أن الولايات المتحدة انسحبت من هذا الاتفاق عام 2018 تحت إدارة ترامب، معتبرة إياه غير كافٍ للحد من طموحات إيران النووية والصاروخية، ومطلقة حملة “الضغط الأقصى” التي زادت من حدة التوتر.
لطالما اعتبرت إسرائيل البرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية تهديدًا وجوديًا لأمنها القومي. وقد أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرارًا على ضرورة تفكيك البنية التحتية النووية الإيرانية بالكامل، وليس مجرد وقف عمليات التخصيب. وطالب نتنياهو، خلال كلمته، بأن يتضمن أي اتفاق مستقبلي مع إيران إخراج جميع معدات التخصيب من الأراضي الإيرانية، وتقييد مدى الصواريخ الباليستية الإيرانية بحد أقصى 300 كيلومتر، معربًا عن تشككه في نوايا طهران. هذه المطالب تعكس رؤية إسرائيلية ثابتة بضرورة نزع السلاح النووي والصاروخي الإيراني بشكل جذري.
الموقف الإيراني وتداعيات التصعيد
في المقابل، تصر إيران على أن برنامجها النووي سلمي بحت، ويهدف لأغراض الطاقة والطب، وأن برنامجها الصاروخي دفاعي ولا يخضع للتفاوض. وقد أفاد التلفزيون الإيراني بأن المحادثات مع الولايات المتحدة تركز فقط على الملف النووي ورفع العقوبات، وأن طهران رفضت أي نقاش حول الوقف التام لتخصيب اليورانيوم. هذا التباين في المواقف يجعل التوصل إلى حل دبلوماسي شامل أمرًا بالغ الصعوبة، ويزيد من احتمالية اللجوء إلى خيارات أكثر تصعيدًا.
إن أي عمل عسكري ضد إيران يحمل في طياته تداعيات خطيرة على المستويين الإقليمي والدولي. فعلى الصعيد الإقليمي، قد يؤدي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط بشكل غير مسبوق، وإشعال صراعات أوسع نطاقًا قد تشمل دولًا أخرى وتؤثر على طرق الملاحة الدولية الحيوية، مثل مضيق هرمز، مما يهدد إمدادات النفط العالمية. أما على الصعيد الدولي، فسيؤثر التصعيد العسكري على أسعار الطاقة العالمية، ويزيد من أعباء الدبلوماسية الدولية في محاولة احتواء الأزمة، وقد يؤدي إلى موجات جديدة من اللاجئين والنزوح.
الاستعراض العسكري كرسالة ردع
على الرغم من استمرار الحراك الدبلوماسي، فإن لغة التهديد العسكري لا تزال حاضرة بقوة. وقد نشر الجيش الأمريكي صورًا لمجموعة حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن” خلال إبحارها بالقرب من إيران، في رسالة واضحة لطهران. ونقلت وكالة “رويترز” عن مسؤولين أمريكيين قولهم إن نشر صور حاملة الطائرات يأتي في إطار الاستعدادات لاحتمال شن عمليات عسكرية مستمرة لأسابيع ضد إيران، في حال أصدر الرئيس ترامب أمرًا ببدء الهجوم. ويأتي هذا الاستعراض للقوة بعد إعلان واشنطن في وقت سابق عن نشر حاملة الطائرات “جيرالد آر فورد” في الشرق الأوسط، مما يؤكد على تعزيز الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة كجزء من استراتيجية الردع والضغط.


