spot_img

ذات صلة

أمريكا قد تلغي رسوم الجمارك على الهند بعد تراجع واردات النفط الروسي

في تطور قد يعيد تشكيل جزء من المشهد التجاري الدولي، ألمح وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إلى احتمال إلغاء رسوم جمركية إضافية بنسبة 25% كانت مفروضة على الهند. يأتي هذا التلميح في أعقاب انخفاض حاد وملموس في واردات الهند من النفط الروسي، وهو ما يمثل نقطة تحول في الضغوط الأمريكية المستمرة على نيودلهي لتقليص اعتمادها على الطاقة الروسية.

خلفية التوترات التجارية والجيوسياسية

تعتبر العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والهند معقدة ومتعددة الأوجه، حيث تجمع بين الشراكة الاستراتيجية والتنافس الاقتصادي. تاريخياً، شهدت هذه العلاقة فترات من التوتر حول قضايا تجارية مختلفة، لكن الضغوط الأخيرة تصاعدت بشكل كبير في سياق الحرب الروسية الأوكرانية. فبعد الغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير 2022، فرضت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون عقوبات اقتصادية واسعة النطاق على روسيا، بهدف تقويض قدرتها على تمويل الحرب. وشملت هذه العقوبات قطاع الطاقة الروسي، مع دعوات للدول الأخرى لتقليل مشترياتها من النفط والغاز الروسي.

الهند، بصفتها ثالث أكبر مستورد ومستهلك للنفط في العالم، وجدت نفسها في موقف صعب. فمن جهة، تربطها علاقات تاريخية قوية مع روسيا، التي كانت ولا تزال مورداً رئيسياً للأسلحة والمعدات العسكرية. ومن جهة أخرى، تسعى الهند لتعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب. مع ارتفاع أسعار النفط العالمية، وجدت الهند في النفط الروسي المخفض فرصة لتأمين احتياجاتها الطاقوية بأسعار تنافسية، مما أدى إلى زيادة كبيرة في وارداتها من روسيا خلال عام 2022 وأوائل 2023.

تأثير الضغوط الأمريكية وتصريحات بيسنت

تصاعد التوتر التجاري في شهر أغسطس الماضي، عندما زاد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الرسوم على السلع الهندية إلى المثلين لتبلغ 50%، ومنها ضريبة بنسبة 25% تحديداً بسبب واردات الهند من النفط الخام الروسي. هذه الخطوة كانت جزءاً من استراتيجية أوسع للضغط على الهند للامتثال للعقوبات الغربية. وفي المنتدى الاقتصادي العالمي، صرح وزير الخزانة سكوت بيسنت لـ “بوليتيكو” قائلاً: «انهارت مشتريات المصافي الهندية من النفط الروسي، وهذا نجاح، ولا تزال الرسوم الجمركية قائمة، ولا تزال الرسوم الجمركية على النفط الروسي بنسبة 25%، وأتصور أن هناك مساراً لإلغائها».

هذه التصريحات تأتي في وقت تشير فيه البيانات التجارية إلى أن واردات الهند من النفط الروسي انخفضت في شهر ديسمبر الماضي إلى أدنى مستوياتها في عامين. هذا الانخفاض أدى بدوره إلى رفع حصة منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) من واردات النفط الهندية إلى أعلى مستوى لها في 11 شهراً، مما يعكس تحولاً في استراتيجية الهند الشرائية. وجاءت تصريحات بيسنت، وسط ضغوط متزايدة من ترمب الذي هدد في وقت سابق بزيادة أخرى للرسوم ما لم تقلص الهند مشترياتها من النفط الروسي.

الآثار المتوقعة: اقتصادياً وجيوسياسياً

إن إلغاء هذه الرسوم الجمركية سيكون له تداعيات إيجابية متعددة على الهند. اقتصادياً، سيخفف العبء على الشركات الهندية المستوردة للسلع المتأثرة بالرسوم، مما قد ينعكس على أسعار المستهلكين ويعزز القدرة التنافسية للصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة. كما أنه سيعزز الثقة في العلاقات التجارية الثنائية، ويفتح الباب أمام مزيد من التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.

على الصعيد الجيوسياسي، يمثل هذا التطور انتصاراً للدبلوماسية الأمريكية في سعيها لعزل روسيا اقتصادياً. كما أنه يعزز الشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة والهند، والتي تعتبر حجر الزاوية في استراتيجية واشنطن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة النفوذ الصيني المتزايد. بالنسبة للهند، فإن هذا القرار قد يساعدها في تحقيق توازن دقيق بين مصالحها الوطنية في مجال الطاقة وعلاقاتها التاريخية مع روسيا، وبين سعيها لتعميق تحالفاتها مع القوى الغربية. ومع ذلك، سيتعين على الهند الاستمرار في إدارة علاقاتها مع روسيا بحذر، مع الأخذ في الاعتبار احتياجاتها الدفاعية والطاقوية طويلة الأجل.

spot_imgspot_img