في تطور يعكس تصعيدًا غير مسبوق في التوترات بين واشنطن وطهران، كشفت صحيفة «ديل ميل» البريطانية أن الإدارة الأمريكية قد أعدت قائمة مُفصّلة بأهداف عسكرية بالغة الأهمية داخل إيران. يأتي هذا الكشف في الوقت الذي يدرس فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بجدية إمكانية توجيه ضربة عسكرية استباقية ضد الجمهورية الإسلامية. هذا التحرك يشير إلى أن مرحلة «الصبر الدبلوماسي» التي طالما انتهجتها الولايات المتحدة قد وصلت إلى نهايتها، مما يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة قد تغير موازين القوى في المنطقة والعالم.
خلفية التوترات: عقود من الصراع وتصاعد الضغوط
تعود جذور التوتر بين الولايات المتحدة وإيران إلى عقود مضت، وتحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979 التي أطاحت بالشاه المدعوم أمريكياً. ومنذ ذلك الحين، اتسمت العلاقة بالعداء المتبادل والاتهامات المستمرة بالتدخل في الشؤون الداخلية ودعم جماعات مسلحة. تصاعدت هذه التوترات بشكل حاد بعد انسحاب إدارة ترمب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2018، وإعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية ضمن حملة “الضغط الأقصى”. هذه الحملة، التي هدفت إلى شل الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على إعادة التفاوض بشأن برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي، أدت إلى تدهور كبير في الأوضاع المعيشية داخل إيران وتصاعد حدة الاحتجاجات الشعبية.
ملف الأهداف الحيوية: استخبارات ومنظمات غير ربحية
وفقًا للتقارير، نقلت صحيفة «ديل ميل» عن منظمة «متحدون ضد إيران النووية» (United Against Nuclear Iran – UANI)، وهي منظمة غير ربحية مقرها واشنطن وتُعرف بموقفها المتشدد تجاه طهران، تأكيدها أنها جمعت ملفًا يضم نحو 50 هدفًا إيرانيًا محتملاً. وقد تم تقديم هذا الملف إلى مسؤولي البيت الأبيض قبل اجتماعات أمنية حاسمة، مما يشير إلى مستوى عالٍ من التنسيق والجدية في دراسة الخيارات العسكرية.
تكشف الوثيقة عن تفاصيل دقيقة لمواقع استراتيجية، بما في ذلك الإحداثيات الدقيقة لمقرّ قيادة الحرس الثوري في «ثَر الله»، وهو مركز قيادة رئيسي لا يقتصر دوره على العمليات العسكرية فحسب، بل يُعد أيضًا المحور الأساسي لتنسيق حملات ملاحقة المتظاهرين وقمع الاحتجاجات الداخلية. يعمل هذا المقر فعليًا كمركز قيادة للجيش، ويُسيطر على العمليات العسكرية لقوات الشرطة والأمن الداخلي.
تشمل قائمة الأهداف أيضًا أربعة مقارّ فرعية رئيسية تابعة للحرس الثوري، تُشرف على مناطق مختلفة من العاصمة طهران: مقرّ قيادة القدس الذي يُشرف على العمليات في شمال وشمال غرب طهران، ومقرّ قيادة الفتح في الجنوب الغربي، ومقرّ قيادة النصر في الشمال الشرقي، ومقرّ قيادة القدر، الذي يُسيطر على جنوب شرق ووسط طهران. هذه التفاصيل توفر للجيش الأمريكي مخططًا شاملاً لقدرات الحرس الثوري الإيراني على تنسيق العمليات الأمنية وقمع المواطنين.
شبكة القمع الداخلية: الباسيج والألوية الأمنية
لا تتوقف الأهداف عند المقار القيادية، بل تتوسع لتشمل البنية التحتية الخفية التي تعمل كشبكة قيادة أساسية لأكثر الوحدات قمعًا في النظام، حيث تنسق عمليات الاستخبارات والشرطة والعمليات النفسية. ويُعد هذا الكشف بالغ الأهمية لفهم كيفية إدارة النظام الإيراني لعملياته الأمنية الداخلية.
كما تتضمن القائمة 23 قاعدة إقليمية تابعة لقوات الباسيج، الميليشيا المحلية الوحشية التابعة للحرس الثوري الإيراني، والتي تقع كل منها في إحدى مناطق طهران الـ 22. وتُعرف قوات الباسيج بدورها المحوري في قمع الاحتجاجات الشعبية بعنف. وتتضمن القائمة أيضًا الوحدات العملياتية التي تقود ملاحقة المحتجين، بما في ذلك لواءان رئيسيان: لواء «آل محمد» الأمني، المتمركز شمال شرق طهران، ولواء «الزهراء» الأمني، المتمركز جنوب شرق طهران.
نهاية الصبر الدبلوماسي وتداعيات محتملة
يأتي هذا التصعيد في ظل استمرار دوامة الاحتجاجات في إيران، حيث توقع مدير أبحاث الحرس الثوري في معهد أبحاث الأمن القومي الإيراني، كسرى عرابي، استمرار هذه الاحتجاجات ما لم يتغير ميزان القوى بين المتظاهرين العزل وجهاز النظام المدجج بالسلاح. وفي وقت تجاوز فيه عدد قتلى المتظاهرين، وفقًا لمنظمات حقوقية، ألفي قتيل، ويواجه بعضهم أحكامًا بالإعدام، يبدو أن وقت الصبر الدبلوماسي قد انتهى بالنسبة لواشنطن.
أعلن الرئيس ترمب، أمس (الثلاثاء)، إلغاء جميع اجتماعاته مع المسؤولين الإيرانيين، وقال للمتظاهرين إن «المساعدة قادمة» وحثهم على «حفظ أسماء القتلة والمعتدين». هذه التصريحات تُعد إشارة واضحة إلى تحول جذري في السياسة الأمريكية تجاه إيران، من الدبلوماسية إلى التهديد المباشر بالتدخل.
التأثيرات المتوقعة: محليًا، إقليميًا، ودوليًا
إن أي ضربة عسكرية أمريكية محتملة ضد إيران ستحمل تداعيات هائلة على مستويات متعددة. محليًا في إيران، قد تؤدي هذه الضربة إلى زعزعة استقرار النظام بشكل أكبر، أو على العكس، قد تدفع الشعب الإيراني إلى الالتفاف حول قيادته في مواجهة عدو خارجي، مما يعقد المشهد الداخلي للمتظاهرين. كما ستكون هناك مخاوف إنسانية كبيرة بشأن الخسائر المدنية المحتملة.
إقليميًا، من المرجح أن تشعل الضربة صراعًا واسع النطاق في منطقة الخليج، مع احتمال تورط حلفاء الولايات المتحدة مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، بالإضافة إلى وكلاء إيران في المنطقة مثل حزب الله والحوثيين. هذا السيناريو قد يؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية وارتفاع أسعاره بشكل كبير، مما يهدد الاقتصاد العالمي.
دوليًا، ستواجه الولايات المتحدة ردود فعل متباينة من القوى العالمية الأخرى. فبينما قد تدعم بعض الدول الغربية هذا التحرك، فمن المرجح أن تعارضه دول مثل روسيا والصين بشدة، مما قد يؤدي إلى مزيد من الانقسامات في مجلس الأمن الدولي وتحديات أمام القانون الدولي ومبدأ السيادة. إن قرار توجيه ضربة عسكرية لإيران ليس مجرد خطوة تكتيكية، بل هو قرار استراتيجي يحمل في طياته مخاطر جسيمة قد تعيد تشكيل المشهد الجيوسياسي للشرق الأوسط والعالم بأسره.


