كشفت مصادر مطلعة ومسؤولون عسكريون أن الإدارة الأمريكية استهلكت مخزوناً استراتيجياً من الذخائر الحيوية يكفي لسنوات عدة، وذلك منذ الأيام الأولى لاندلاع الحرب مع إيران. هذا الاستهلاك غير المسبوق أثار مخاوف عميقة داخل الأوساط السياسية والعسكرية بشأن الارتفاع الحاد في تكلفة الصراع، وقدرة القاعدة الصناعية الدفاعية في الولايات المتحدة على تجديد هذه الترسانة في وقت قياسي.
نقص حاد في صواريخ توماهوك الاستراتيجية
أكدت مصادر عسكرية، وفقاً لما نقلته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أن النقص السريع في الأسلحة شمل بشكل أساسي صواريخ “توماهوك” (Tomahawk) المتطورة بعيدة المدى. وأوضح أحد المطلعين على العمليات اللوجستية للجيش الأمريكي أن حجم الإنفاق على هذه الصواريخ يُعد هائلاً، محذراً من أن هذا الاستنزاف سيثقل كاهل ميزانية البحرية الأمريكية لسنوات عديدة قادمة. وتشير تقديرات مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) إلى أن القوات الأمريكية أطلقت نحو 168 صاروخ توماهوك خلال أول 100 ساعة فقط من الحرب الحالية التي اندلعت في 28 فبراير.
السياق التاريخي وتصاعد التوترات
تأتي هذه المواجهة العسكرية كتتويج لعقود من التوترات الجيوسياسية بين واشنطن وطهران، والتي تفاقمت بشكل ملحوظ منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، وما تلاه من حروب بالوكالة في منطقة الشرق الأوسط. وخلال عامي 2024 و2025، تصاعدت حدة الاشتباكات، حيث استخدمت واشنطن ما لا يقل عن 124 صاروخاً من طراز توماهوك لاستهداف منشآت نووية إيرانية ومواقع تابعة للمقاتلين الحوثيين في اليمن. وفي يونيو الماضي، صرح رئيس هيئة الأركان المشتركة، الجنرال دان كين، بأن القوات الأمريكية استخدمت أكثر من 20 صاروخاً في هجوم دقيق على منشأة إيرانية في أصفهان.
التداعيات الاقتصادية وأزمة مضيق هرمز
على الصعيد الاقتصادي العالمي، ألقى الصراع بظلاله الثقيلة على أسواق الطاقة. فقد أدى الشلل الذي ضرب حركة الملاحة في مضيق هرمز—الذي يمر عبره نحو 20% من إمدادات النفط العالمية—إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط. هذا الارتفاع المفاجئ يفرض ضغوطاً تضخمية هائلة على الاقتصاد الأمريكي، مما يهدد برفع مستوى الاستياء بين الناخبين الأمريكيين ويزيد من الضغوط السياسية على إدارة الرئيس ترامب.
معركة تمويلية شرسة في الكونغرس
لمواجهة هذا الاستنزاف، من المنتظر أن يقدم البنتاغون طلباً رسمياً إلى البيت الأبيض والكونغرس للحصول على تمويل طارئ يصل إلى 50 مليار دولار إضافية للإنفاق العسكري. ومع ذلك، يُتوقع أن يواجه هذا الطلب معركة شرسة في «الكابيتول هيل». فقد حذرت السيناتور الجمهورية ليزا موركوفسكي، عضو لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ، من منح الإدارة “شيكاً على بياض”، مشددة على ضرورة تقديم البنتاغون لمبررات دقيقة. في الوقت ذاته، يبدي المشرعون الديمقراطيون معارضة شديدة، واصفين الحرب بأنها “غير قانونية” نظراً لعدم حصول ترامب على تفويض مسبق من الكونغرس.
تأثير الاستنزاف على الأمن القومي والمنافسة العالمية
تتجاوز خطورة هذا الاستنزاف حدود الشرق الأوسط لتشمل استراتيجية الأمن القومي الأمريكي ككل. فقد أعرب مسؤولون أمريكيون مراراً عن مخاوفهم من أن معدل استهلاك الذخائر الدقيقة يتجاوز بكثير القدرة الإنتاجية لشركات السلاح الأمريكية. هذا النقص يضعف من جاهزية الجيش الأمريكي لمواجهة أي صراعات محتملة أو متزامنة مع قوى كبرى مثل روسيا أو الصين، خاصة في مناطق التوتر الحساسة مثل تايوان أو شرق أوروبا، مما يضع واشنطن أمام تحدٍ استراتيجي غير مسبوق في الحفاظ على تفوقها العسكري العالمي.


