spot_img

ذات صلة

طائرة كاشفة الأسلحة النووية الأمريكية في بريطانيا: تحليل الدلالات

في خطوة لفتت أنظار الأوساط السياسية والعسكرية العالمية، هبطت طائرة أمريكية متخصصة في رصد الأسلحة النووية داخل الأراضي البريطانية. يأتي هذا التطور في ظل تصاعد التكهنات بشأن احتمال توجيه الولايات المتحدة ضربة عسكرية لإيران، مما يضفي على وصول الطائرة أبعاداً استراتيجية ودلالات عميقة تتجاوز مجرد مهمة روتينية.

الطائرة WC-135R كونستانت فينيكس: “أنف” أمريكا النووي

الطائرة المعنية هي من طراز «WC-135R» Constant Phoenix، التابعة لسلاح الجو الأمريكي، وتُعرف بلقب “طائرة الأنف” أو “كاشفة الأسلحة النووية”. تتميز هذه الطائرة بقدرتها الفريدة على جمع عينات من الغلاف الجوي وتحليلها للكشف عن أي جسيمات مشعة قد تنتج عن أنشطة نووية غير معلنة أو اختبارات محظورة. يعود تاريخ هذه الطائرات إلى حقبة الحرب الباردة، حيث كانت تُستخدم لمراقبة التجارب النووية السوفيتية والصينية. ومع مرور الوقت، تطور دورها ليشمل مراقبة الامتثال لمعاهدات حظر التجارب النووية، مثل معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية (CTBT)، ومتابعة أي مؤشرات على برامج نووية سرية، كما حدث في حالات كوريا الشمالية.

سياق التوترات الأمريكية الإيرانية: خلفية تاريخية

لا يمكن فهم أهمية هذا التحرك بمعزل عن السياق التاريخي المعقد للعلاقات الأمريكية الإيرانية. فمنذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن، اتسمت العلاقات بالعداء والتوتر المستمر. تصاعدت المخاوف الدولية بشأن البرنامج النووي الإيراني في أوائل الألفية الثالثة، مما أدى إلى فرض عقوبات دولية مشددة. وفي عام 2015، تم التوصل إلى الاتفاق النووي الإيراني (خطّة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) الذي قيد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات. إلا أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب انسحبت من الاتفاق في عام 2018، وأعادت فرض سياسة “أقصى ضغط”، مما أدى إلى تصعيد غير مسبوق في التوترات، شمل حوادث في مضيق هرمز، وهجمات على منشآت نفطية، واغتيال شخصيات عسكرية بارزة.

هبوط في قاعدة استراتيجية: ميلدنهال

حطّت الطائرة في قاعدة ميلدنهال الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في مقاطعة سوفولك. تُعد قاعدة ميلدنهال واحدة من أهم القواعد الأمريكية خارج الولايات المتحدة، وتلعب دوراً محورياً كمركز لوجستي وعملياتي للقوات الجوية الأمريكية في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا. تزامن هذا الهبوط مع استمرار الولايات المتحدة في تعزيز وجودها العسكري في الشرق الأوسط، مما يثير تساؤلات حول طبيعة المهمة الحالية للطائرة ودلالاتها في ظل هذه الظروف المتوترة.

ضغوط دولية وتحذيرات أمريكية

يأتي هذا التطور في وقت حذّر فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إيران من أن «الوقت ينفد» لتوقيع اتفاق جديد بشأن حظر الأسلحة النووية. وفي سياق متصل، صعّد الاتحاد الأوروبي من ضغوطه عبر تصنيف الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية، وهي خطوة تعكس إجماعاً دولياً متزايداً على ضرورة احتواء النفوذ الإيراني. هذه الضغوط المتزايدة، سواء الدبلوماسية أو العسكرية، تضع المنطقة على حافة الترقب لأي تطورات محتملة.

سجل سابق ودلالات محتملة

وبحسب صحيفة تلغراف البريطانية، فإن للطائرة سجلاً في الظهور بمناطق التوتر. فقد سبق نشرها من الولايات المتحدة إلى الشرق الأوسط قبل أيام من القصف الأمريكي للمنشآت النووية الإيرانية خلال صيف العام الماضي. كما كانت قد هبطت في بريطانيا مطلع عام 2022، قبل أسابيع من اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. هذه السوابق التاريخية تزيد من التكهنات حول ما إذا كان وصولها الحالي يمثل مؤشراً على تصعيد وشيك، أو مجرد جزء من مهام المراقبة الروتينية في أوقات الأزمات.

لا مؤشرات حاسمة ومهمات أممية

على الرغم من الغموض الذي يحيط بسبب الهبوط الأخير، أكدت مصادر دفاعية أن وجود الطائرة لا يعني بالضرورة قرب تنفيذ عمل عسكري. مشيرة إلى أن مهماتها ترتبط بالمراقبة والامتثال لاتفاقيات حظر التجارب النووية. ومن المعروف أن الأمم المتحدة كلفت هذه الطائرة بمهمات مراقبة الإشعاع، إذ نفذت سابقاً طلعات لأخذ عينات هواء في مناطق متعددة حول العالم، شملت المحيط الهندي، والبحر الأبيض المتوسط، والمناطق القطبية. ونقلت تلغراف عن مصدر قوله إن الطائرة تحلق حول العالم للتأكد من عدم إجراء تجارب نووية أرضية، وليس للبحث عن أسلحة نووية بحد ذاتها. هذا يؤكد على دورها كأداة للتحقق من الامتثال للمعاهدات الدولية.

نشاط عسكري متزامن ومخاوف إقليمية

في السياق ذاته، أظهرت صور من قاعدة ميلدنهال تدريبات لقوات خاصة أمريكية، تضمنت عمليات إنزال سريع بالحبال من طائرات V-22 Osprey. هذا النشاط العسكري المتزامن يعزز فكرة الاستعداد العملياتي في المنطقة. من جهة أخرى، أعلن رئيس مؤسسة الطاقة النووية الروسية أليكسي ليخاتشيف استعداد بلاده لإجلاء موظفيها من محطة بوشهر النووية الإيرانية عند الضرورة، مما يعكس مستوى القلق الدولي من أي تصعيد محتمل.

سيناريوهات غير محسوبة وتأثيرات أوسع

أعربت مصادر إقليمية عن مخاوف من أن تؤدي أي ضربة أمريكية إلى نتائج عكسية، قد تعزز تماسك النظام الإيراني بدل إضعافه، خصوصاً في ظل غياب خليفة واضح للمرشد الأعلى علي خامنئي. وحذّر مسؤولون ودبلوماسيون عرب من احتمال سيطرة الحرس الثوري على السلطة في حال حدوث انهيار سياسي، ما قد يؤدي إلى تصعيد نووي أوسع، مؤكدين أن سياسة الاحتواء تبقى الخيار المفضل لتجنب الفوضى والحرب الأهلية وامتداد عدم الاستقرار خارج حدود إيران. إن وصول طائرة “كاشفة الأسلحة النووية” إلى بريطانيا، في هذا التوقيت الحرج، يسلط الضوء على التعقيدات الجيوسياسية الراهنة والمخاطر الكبيرة التي تتهدد الاستقرار الإقليمي والدولي.

spot_imgspot_img