في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، كشفت تقارير إعلامية حديثة عن سيناريوهات عسكرية غير مسبوقة تدرسها واشنطن. وقد سلطت مجلة «ذا أتلانتيك» الضوء على خطة أمريكية محتملة تهدف إلى السيطرة على جزيرة خارك الإيرانية ومصادرة اليورانيوم المخصب، كأحد الخيارات المطروحة بقوة على طاولة صناع القرار في الولايات المتحدة، وذلك في حال انهيار المفاوضات الجارية. تتزامن هذه التسريبات مع تعقيدات متزايدة تحيط بالبرنامج النووي الإيراني ومساعي واشنطن لتأمين الملاحة الدولية.
السياق التاريخي والأهمية الاستراتيجية: السيطرة على جزيرة خارك
لفهم أبعاد هذه الخطوة، يجب النظر إلى الأهمية التاريخية والاقتصادية البالغة لهذه المنطقة. تقع جزيرة خارك في مياه الخليج العربي، على بعد حوالي 400 ميل من مضيق هرمز الاستراتيجي. تاريخياً، لعبت هذه الجزيرة دوراً حاسماً خلال «حرب الناقلات» في ثمانينيات القرن الماضي إبان الحرب العراقية الإيرانية، حيث كانت ولا تزال الشريان الرئيسي للاقتصاد الإيراني. يمر عبر هذه الجزيرة نحو 90% من صادرات النفط الإيرانية إلى الأسواق العالمية. وبالتالي، فإن أي عملية عسكرية تهدف إلى السيطرة على جزيرة خارك تعني فعلياً شل قدرة طهران على تمويل عملياتها وبرنامجها النووي، وتوفر لواشنطن ورقة ضغط قصوى. يأتي هذا التصعيد في سياق توترات ممتدة منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي في عام 2018، وما تلاه من تسريع طهران لوتيرة تخصيب اليورانيوم.
تفاصيل التحركات العسكرية الأمريكية والمخاطر الميدانية
نقلت المجلة عن مصادر مطلعة ومسؤولين عسكريين أمريكيين أن هناك تخطيطاً لسيناريوهين رئيسيين لعمليات برية داخل إيران. الأول يستهدف منشآت الطاقة في جزيرة خارك، والثاني يهدف إلى مصادرة اليورانيوم عالي التخصيب. وللتحضير لهذه الخيارات، وصلت آلاف القوات الأمريكية الإضافية إلى المنطقة، من بينهم نحو 3500 من مشاة البحرية (المارينز) والقوات البحرية خلال الأيام الماضية، مع توقع وصول 3500 جندي آخرين في الأسابيع المقبلة، بالإضافة إلى مئات من قوات العمليات الخاصة المتواجدة بالفعل.
ومع ذلك، حذرت المصادر من أن نشر قوات برية داخل الأراضي الإيرانية يُعد من أخطر المهمات العسكرية. العملية ستكون محفوفة بالمخاطر، حيث قد تضطر القوات الأمريكية إلى عبور مياه ملغمة، ومواجهة هجمات مكثفة بالطائرات المسيّرة والصواريخ. كما أن إدخال القوات، والذي سيكون على الأرجح عبر إنزال جوي، سيواجه برد فعل سريع من القوات الإيرانية.
التداعيات الإقليمية والدولية المحتملة
لا تقتصر تأثيرات هذه الخطط على الداخل الإيراني فحسب، بل تمتد لتشمل الاقتصاد العالمي بأسره. إن أي هجوم على منشآت النفط الإيرانية سيؤدي فوراً إلى تفاعل الأسواق العالمية، مما ينذر بارتفاع حاد وكبير في أسعار النفط. هذا الارتفاع المفاجئ قد يهدد بحدوث ركود اقتصادي عالمي. علاوة على ذلك، فإن أياً من العمليتين لا يضمن إنهاء الحرب خلال أسابيع، ولا انهيار النظام الإيراني، ولا حتى إعادة فتح مضيق هرمز، الذي أدى إغلاقه أو التهديد به إلى اضطراب واسع في أسواق الطاقة.
تعقيدات استهداف البرنامج النووي والخيارات السياسية
فيما يخص السيناريو الثاني، فإن استعادة المواد النووية ستكون عملية بالغة التعقيد. يأتي هذا التحدي خصوصاً بعد أن أدت ضربات أمريكية وإسرائيلية سابقة إلى تدمير مداخل بعض مواقع التخزين المشتبه بها، مما يجعل الوصول إلى اليورانيوم المخصب أمراً صعباً للغاية. وأوضحت المصادر أن هذه العمليات قد تسمح للإدارة الأمريكية بالادعاء بأنها أزالت عنصراً رئيسياً من البرنامج النووي، لكنها قد تتطلب الاحتفاظ بالجزيرة كقاعدة عسكرية أمريكية لفترة طويلة.
في الوقت ذاته، أشار مسؤولون أمريكيون إلى وجود مناقشات جارية بشأن احتمال التوصل إلى وقف إطلاق نار مقابل إعادة فتح مضيق هرمز. وحتى الآن، لم يُحسم القرار السياسي بشأن تنفيذ أي من الخيارين، حيث يخشى بعض القادة العسكريين من أن تؤدي هذه المخاطر إلى تصعيد الحرب وإطالة أمدها. وفي حال عدم اتخاذ إجراء عسكري، قد تضطر واشنطن للاعتماد كلياً على المسار الدبلوماسي، أو قد يقرر الرئيس الأمريكي الانسحاب من الصراع وترك الملف لحلفاء واشنطن في المنطقة.


