تصاعد التوترات بين واشنطن وهافانا
كشفت تقارير صحفية، أبرزها ما نشرته صحيفة “نيويورك بوست”، أن إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب كانت تدرس خيارات واسعة قد تصل إلى الدفع نحو تغيير سياسي في كوبا، في ظل تصعيد غير مسبوق في التوترات السياسية والاقتصادية بين البلدين. يأتي هذا التوجه كتحول جذري عن سياسة الانفتاح التي بدأها الرئيس باراك أوباما، ويعيد العلاقات إلى مربع العداء التاريخي الذي ساد منذ عقود.
خلفية تاريخية من الصراع
تمتد جذور التوتر بين الولايات المتحدة وكوبا إلى أكثر من ستة عقود، وتحديداً منذ نجاح الثورة الكوبية عام 1959 بقيادة فيدل كاسترو. فرضت واشنطن حظراً اقتصادياً وتجارياً شاملاً على الجزيرة في أوائل الستينيات، وهو الحظر الذي لا يزال قائماً حتى اليوم ويُعد أطول حصار اقتصادي في التاريخ الحديث. شهدت هذه الفترة أزمات كبرى كادت أن تشعل حرباً عالمية، مثل أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962. ورغم محاولات التقارب في عهد أوباما، أعادت إدارة ترامب فرض قيود صارمة، مستهدفةً مصادر الدخل الرئيسية لكوبا مثل السياحة والاستثمارات الأجنبية والتحويلات المالية.
استراتيجية الضغط الأقصى وتأثيرها
دعا مشرعون أمريكيون من أصول كوبية إلى تكثيف الضغط على هافانا، مؤكدين أن الحكومة الكوبية تمر بحالة ضعف غير مسبوقة. وقد وصف الرئيس ترامب كوبا بأنها “دولة فاشلة”، مشيراً إلى أنها لم تعد تتلقى الدعم المالي الحيوي من حليفتها الرئيسية فنزويلا. وتضمنت استراتيجيته تهديد الدول التي تزود كوبا بالنفط بفرض رسوم وعقوبات، مما أدى إلى تفاقم أزمة الطاقة في الجزيرة. وأقر الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل بأن بلاده تواجه صعوبات حادة في توفير الكهرباء والوقود اللازم لتشغيل الأنشطة الأساسية، مؤكداً أن كوبا تُعد خطة دفاعية لمواجهة هذه الضغوط الأمريكية، لكنه شدد على أن سيادة بلاده غير قابلة للتفاوض.
الأبعاد الاقتصادية والانهيار المحتمل
يحذر خبراء اقتصاديون من أن توقف الدعم النفطي الفنزويلي قد يدفع الاقتصاد الكوبي نحو الانهيار. لسنوات، اعتمدت كوبا على اتفاقيات تبادل النفط مقابل إرسال أطباء وعسكريين إلى فنزويلا. لكن مع تدهور إنتاج النفط في فنزويلا والعقوبات الأمريكية عليها، انخفضت الشحنات بشكل حاد. وتشير التقديرات إلى أن مخزون الوقود في كوبا قد لا يكفي سوى لأيام معدودة، مما يهدد بشل حركة النقل والإنتاج الزراعي والصناعي. وتدرس الإدارة الأمريكية فرض حصار بحري لمنع وصول أي إمدادات نفطية إلى الجزيرة، وهي خطوة من شأنها أن تخنق الاقتصاد الكوبي بالكامل وتزيد من معاناة السكان.
مفاوضات سرية ومستقبل غامض
على الرغم من الخطاب العدائي، تحدثت تقارير عن وجود محادثات خلف الكواليس بين مسؤولين أمريكيين وشخصيات كوبية رفيعة المستوى، بهدف إيجاد مخرج للأزمة. وتلمح بعض التسريبات إلى أن هذه الاتصالات قد توفر للنظام مخرجاً يسمح له بالبقاء في السلطة ضمن ترتيبات جديدة. لكن المشهد السياسي الداخلي في كوبا لا يزال معقداً، حيث يحتفظ الرئيس السابق راؤول كاسترو بنفوذ كبير. ويرى محللون أن أي فراغ في السلطة قد يفتح الباب أمام تدخل قوى دولية أخرى مثل روسيا والصين، اللتين تسعيان لتعزيز وجودهما في المنطقة. وبينما يستبعد مشرعون أمريكيون خيار التدخل العسكري المباشر، يعتقدون أن استمرار الضغط الاقتصادي قد يؤدي في النهاية إلى انهيار النظام من الداخل، مما قد يمثل تحولاً تاريخياً للجزيرة بعد أكثر من ستة عقود من الحكم الشيوعي.


