spot_img

ذات صلة

الضغط الأمريكي يوقف ترشيح المالكي لرئاسة وزراء العراق

تتزايد التطورات في بغداد على وقع أزمة سياسية متشاكلة، عنوانها الأبرز ترشيح نوري المالكي لرئاسة الحكومة، وما أثاره من انقسام داخلي وضغوط خارجية غير مسبوقة. فبين تعثر حسم منصب رئيس الجمهورية، وتباين مواقف قوى «الإطار التنسيقي»، أشارت مصادر سياسية عراقية إلى رسالة أمريكية حاسمة تتضمن مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لسحب ترشيح المالكي، ملوحة بعقوبات قد تطال أطرافاً سياسية واقتصادية في حال المضي بالترشيح، ما وضع المشهد العراقي أمام اختبار صعب بين حسابات الداخل وضغوط الخارج.

خلفية الأزمة: سنوات من التوتر والبحث عن الاستقرار

تأتي هذه الأزمة في سياق سياسي عراقي معقد، يعود بجذوره إلى ما بعد عام 2003، حيث شهدت البلاد صراعات داخلية وتدخلات إقليمية ودولية أثرت بشكل كبير على مسار تشكيل الحكومات. نوري المالكي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء لولايتين متتاليتين (2006-2014)، كانت فترته مثيرة للجدل، حيث واجه اتهامات بالاستئثار بالسلطة وتهميش المكونات الأخرى، فضلاً عن تدهور الوضع الأمني الذي بلغ ذروته بسقوط أجزاء واسعة من البلاد بيد تنظيم داعش الإرهابي عام 2014. هذه الخلفية التاريخية جعلت عودته المحتملة إلى سدة الحكم تثير قلقاً كبيراً لدى أطراف داخلية وخارجية، لا سيما الولايات المتحدة التي ترى في ترشيحه عاملاً قد يعيد البلاد إلى مربع عدم الاستقرار.

بعد الانتخابات البرلمانية العراقية في أكتوبر 2021، دخلت البلاد في أطول فترة جمود سياسي في تاريخها الحديث. فشل التيار الصدري، الفائز بأكبر عدد من المقاعد، في تشكيل حكومة أغلبية، مما أدى إلى انسحابه من العملية السياسية وفتح الباب أمام «الإطار التنسيقي» لتشكيل الحكومة. ومع تقدم المالكي كمرشح بارز ضمن الإطار، تصاعدت المخاوف من تكرار سيناريوهات الماضي، مما دفع واشنطن للتدخل بشكل مباشر.

رسالة أمريكية «شديدة» وتهديدات بعقوبات واسعة

كشفت مصادر سياسية عراقية عن رسالة أمريكية سرية نُقلت عبر سفير العراق في واشنطن، نزار الخير الله، تتضمن مهلة لا تتجاوز 48 ساعة لسحب ترشيح المالكي، مع تحذير من عقوبات قد تطول العراق وجهات داعمة له في حال عدم الاستجابة. وقد أكد وزير الخارجية العراقي الأسبق والقيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني، هوشيار زيباري، في تصريحات صحفية، أن رسائل أمريكية “شديدة” وصلت خلال اليومين الماضيين، محذرة من “مفاجآت” غير سارة.

وأوضح زيباري صعوبة ترشيح المالكي في ظل الرفض الأمريكي الحالي، مبيناً أن قائمة المرشحين لرئاسة الوزراء تقلصت إلى أربع شخصيات لا يتضمنها اسم السوداني في تلك المرحلة. وتضمنت العقوبات المحتملة استهداف البنك المركزي العراقي وشركة تسويق النفط “سومو”، بالإضافة إلى شخصيات في “الإطار التنسيقي” يثبت دعمها للمالكي. يأتي ذلك ترجمة لتحذيرات سابقة وجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي انتقد بشدة المسار الذي اتبعه المالكي خلال توليه رئاسة الحكومة لثماني سنوات، معتبراً إياه مسؤولاً عن العديد من الإخفاقات.

انقسام داخلي في «الإطار التنسيقي» واجتماعات مكثفة

تزامنت الضغوط الخارجية مع حراك داخلي مكثف. فقد عقد رئيس المجلس الأعلى الإسلامي، همام حمودي، اجتماعاً ضم فالح الفياض وهادي العامري وشخصيات أخرى لبحث تداعيات الرسالة الأمريكية وسبل تفادي أزمة أوسع. كما زار المالكي أربيل والتقى رئيس الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، حيث أفادت معلومات بأن القوى الكردية لن تتمكن من دعم مرشح يواجه رفضاً أمريكياً واضحاً، رغم محاولات إقناع واشنطن بقبول الترشيح.

ومع انتهاء المهلة المتداولة، تحركت حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني لاحتواء الضغوط، حيث أفادت مصادر بأن السوداني طلب مهلة إضافية حتى نهاية الأسبوع لحسم ملف انسحاب المالكي قبل أي خطوات أمريكية تصعيدية. وتشير المعطيات إلى انقسام داخل “الإطار التنسيقي” بين فريق يفضل انسحاباً طوعياً يحفظ وحدة التحالف، وآخر يدعو إلى تسوية داخلية قد تنتهي باستبدال المالكي رسمياً بمرشح بديل يحظى بقبول داخلي وتفاهمات دولية.

في المقابل، نفى مدير المكتب الإعلامي لرئيس ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، هشام الركابي، في بيان، صحة الأنباء المتداولة بشأن سحب ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء من قبل “الإطار التنسيقي”، مؤكداً أن ما يتم تداوله في هذا السياق “لا أساس له من الصحة”، واصفاً إياه بـ”الحملة الإعلامية المغرضة”.

تأثير الأزمة على المشهد العراقي والإقليمي

مع اقتراب لحظة الحسم، يبدو العراق أمام مفترق طرق: إما المضي بترشيح يهدد بعقوبات اقتصادية وسياسية واسعة، أو اللجوء إلى خيار “اضطراري” يعيد ترتيب الأوراق داخل التحالف الحاكم، ويتجنب بالبلاد أزمة قد تتجاوز تشكيل الحكومة إلى مستقبل التوازنات السياسية برمتها. إن استمرار الجمود السياسي وعدم القدرة على تشكيل حكومة مستقرة وذات قبول واسع، يهدد بتقويض جهود إعادة الإعمار والتنمية، ويزيد من حالة عدم اليقين التي يعيشها المواطن العراقي.

على الصعيد الإقليمي، تعكس هذه الأزمة مدى تأثير القوى الخارجية في المشهد السياسي العراقي، وتؤكد على أهمية التوافقات الدولية في تحديد مسارات الحكم. فالعراق، بصفته لاعباً محورياً في المنطقة، تتأثر استقراره وتوجهاته السياسية بالعديد من العوامل الإقليمية والدولية، مما يجعل عملية اختيار رئيس الوزراء الجديد ليست مجرد مسألة داخلية، بل هي قضية ذات أبعاد استراتيجية أوسع تؤثر على توازنات القوى في الشرق الأوسط.

spot_imgspot_img