spot_img

ذات صلة

أسباب رفض أمريكا عودة السودان إلى النظام المالي العالمي

في خطوة تعكس تعقيدات المشهد السياسي والاقتصادي، رفضت وزارة الخزانة الأمريكية طلباً رسمياً تقدمت به السلطات في بورتسودان يهدف إلى إعادة إدماج النظام المصرفي السوداني في النظام المالي العالمي. يأتي هذا الرفض في وقت يعاني فيه الاقتصاد السوداني من أزمات طاحنة جراء النزاع المسلح المستمر، مما يضع المزيد من العراقيل أمام محاولات إنقاذ المؤسسات المالية المحلية من الانهيار.

جذور الأزمة: السودان وتحديات الاندماج في النظام المالي العالمي

لفهم السياق العام لهذا الرفض، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للعلاقات الاقتصادية بين الخرطوم وواشنطن. عانى السودان لعقود من عقوبات اقتصادية أمريكية قاسية وإدراج على قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ تسعينيات القرن الماضي، مما أدى إلى عزلة تامة لمصارفه عن شبكات التحويل الدولية. ورغم الانفراجة القصيرة التي حدثت بعد ثورة ديسمبر 2019 ورفع اسم السودان من قائمة الإرهاب، إلا أن اندلاع الحرب الأخيرة في منتصف أبريل 2023 أعاد البلاد إلى المربع الأول. هذه الانتكاسة الأمنية والسياسية جعلت المؤسسات الدولية، بما فيها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تعلق برامجها ومساعداتها، مما زاد من صعوبة عودة السودان إلى الساحة الاقتصادية الدولية.

تفاصيل الرفض الأمريكي وشروط واشنطن لإنهاء العزلة

كشفت مصادر مطلعة لموقع «صحيح السودان» أن محافظ بنك السودان المركزي، آمنة ميرغني، حاولت خلال مشاركتها في فعاليات اجتماعات الربيع في واشنطن إقناع المسؤولين الأمريكيين بضرورة رفع الحظر. وقدمت ميرغني مبررات تتعلق بالإصلاحات المالية التي تم تحقيقها مؤخراً رغم ظروف الحرب. ومع ذلك، قوبل هذا الطلب برفض قاطع من قبل باتريك ستيوارت، نائب مدير شؤون أفريقيا بوزارة الخزانة الأمريكية.

لم يكن الرفض الأمريكي مجرد إجراء بيروقراطي، بل ارتبط بشروط سياسية صارمة. فقد أوضح ستيوارت أن إرجاع النظام المالي السوداني إلى المجتمع المالي الدولي واستئناف التعاون مع المؤسسات النقدية العالمية يتطلب خطوات ملموسة على الأرض. تمثلت هذه الشروط الأساسية في الوقف الفوري للحرب، وتحقيق سلام شامل ومستدام، بالإضافة إلى تكوين حكومة انتقالية بقيادة مدنية، وهو ما يعكس الموقف الدولي الرافض لإضفاء الشرعية على استمرار النزاع العسكري.

التداعيات المتوقعة على الاقتصاد المحلي والإقليمي

يحمل هذا الحدث أهمية كبرى وتأثيرات بالغة الخطورة على مستويات عدة. محلياً، يعني استمرار العزلة المالية تفاقم أزمة السيولة، وانهياراً مستمراً في قيمة الجنيه السوداني مقابل العملات الأجنبية، فضلاً عن شلل حركة الاستيراد والتصدير التي تعتمد على الاعتمادات المستندية الدولية. هذا الوضع ينعكس مباشرة على المواطن البسيط من خلال ارتفاع معدلات التضخم وندرة السلع الأساسية. أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فإن استمرار الانهيار الاقتصادي في السودان يهدد بتوسيع رقعة عدم الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي وحوض البحر الأحمر، مما يثير مخاوف المجتمع الدولي من موجات نزوح جماعي وتدهور أمني غير مسبوق.

تعقيدات المشهد: صفقات التسليح وتأثيرها على مسار السلام

ومما يزيد من تعقيد الموقف الأمريكي والدولي تجاه السلطات السودانية، هو التطورات الأمنية المرتبطة بسباق التسلح. فقد جاء الرفض الأمريكي بعد يوم واحد فقط من إعلان مكتب المدعي العام في ولاية كاليفورنيا الأمريكية عن توقيف مواطنة إيرانية تحمل إقامة دائمة تُدعى «شميم مافي». وُجهت للمتهمة في لوس أنجلوس تهم خطيرة تتعلق بالتوسط في صفقات أسلحة غير مشروعة. وبحسب الادعاء العام الأمريكي، شملت هذه الصفقات محاولات لبيع طائرات مسيرة، وقنابل، وذخائر تابعة لإيران لصالح الجيش السوداني. مثل هذه التحركات العسكرية تعزز من قناعة الإدارة الأمريكية والمجتمع الدولي بأن الأولوية الحالية للأطراف المتصارعة لا تزال للحل العسكري وليس للسلام، مما يجعل أي حديث عن تسهيلات مالية أو اقتصادية أمراً مستبعداً في الوقت الراهن.

spot_imgspot_img