أعلنت القيادة الأمريكية في أوروبا اليوم عن اتفاق بين الولايات المتحدة وروسيا على استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى بين الجانبين. يأتي هذا التطور في وقت تتسم فيه العلاقات بين القوتين العظميين بتوتر غير مسبوق، مما يبرز أهمية قنوات الاتصال المباشرة لضمان الاستقرار وتجنب التصعيد غير المقصود.
الخلفية التاريخية وتدهور العلاقات
لطالما كانت قنوات الاتصال العسكرية بين الولايات المتحدة وروسيا، ووريثتها الاتحاد السوفيتي سابقاً، حجر الزاوية في إدارة المخاطر الجيوسياسية، خاصة خلال فترات التوتر الشديد. فمنذ الحرب الباردة، أدركت القوتان النوويتان ضرورة وجود آليات لتبادل المعلومات وتوضيح النوايا، حتى في أوج الخلافات الأيديولوجية والعسكرية. وقد شهدت هذه القنوات تعليقاً في خريف عام 2021، قبل أشهر قليلة من الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022، مما أدى إلى تفاقم حالة عدم اليقين وزيادة احتمالات سوء التقدير. كان تعليق هذا الحوار يعكس عمق التدهور في العلاقات الثنائية، حيث أصبحت الثقة شبه معدومة، وتوقفت معظم أشكال التعاون.
أهمية استئناف الحوار وتأثيره المتوقع
إن استئناف هذا الحوار العسكري، وإن كان لا يعني تطبيعاً للعلاقات أو حلاً فورياً للأزمات القائمة، يمثل خطوة براغماتية حاسمة نحو تعزيز الاستقرار العالمي. تكمن أهميته في عدة جوانب:
- منع سوء التقدير والتصعيد: في ظل وجود قوات عسكرية أمريكية وروسية تعمل في مناطق جغرافية متقاربة، مثل سوريا والبحر الأسود وأوروبا الشرقية، فإن غياب قنوات الاتصال المباشرة يزيد بشكل كبير من مخاطر الحوادث غير المقصودة التي قد تتطور إلى صراعات أوسع. يوفر هذا الحوار فرصة لتبادل المعلومات حول الأنشطة العسكرية وتوضيح النوايا، مما يقلل من احتمالية سوء الفهم.
- زيادة الشفافية: على الرغم من الخلافات العميقة، يمكن للحوار العسكري أن يساهم في قدر محدود من الشفافية بشأن التحركات والتدريبات العسكرية، مما يساعد على بناء حد أدنى من الثقة ويقلل من التكهنات المثيرة للقلق.
- إدارة الأزمات: في حال وقوع حوادث أو أزمات مفاجئة، توفر هذه القناة وسيلة سريعة وفعالة للتواصل بين القيادات العسكرية العليا، مما يمكن أن يكون حاسماً في احتواء الموقف ومنع تفاقمه.
- التأثير الإقليمي والدولي: على الصعيد الإقليمي، قد يساهم استئناف الحوار في تخفيف حدة التوتر في مناطق مثل أوكرانيا، ليس بالضرورة من خلال حل النزاع مباشرة، بل بتقليل مخاطر التصعيد بين القوى الكبرى التي تدعم أطراف النزاع. دولياً، يعزز هذا الحوار فكرة أن القوى العظمى، حتى في أوقات الخلاف، تتحمل مسؤولية مشتركة للحفاظ على السلام والأمن العالميين.
تفاصيل استئناف الحوار وأهدافه
وأكدت القيادة الأمريكية أن الحفاظ على الحوار بين الجيوش يعد عاملاً مهماً في تعزيز الاستقرار والسلام العالميين، اللذين لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال القوة والتواصل الفعال. ويوفر هذا الحوار وسيلة لزيادة الشفافية وخفض التصعيد. ومن المتوقع أن توفر هذه القناة اتصالاً عسكرياً منتظماً ومنظماً بين الطرفين، في وقت يسعى فيه الجانبان للوصول إلى سلام دائم. ويتمتع كبار المسؤولين العسكريين، مثل قائد القيادة الأمريكية الأوروبية، بصلاحيات تتيح لهم الحفاظ على هذا الحوار العسكري مع نظرائهم الروس، بمن فيهم رئيس هيئة الأركان العامة للاتحاد الروسي، الجنرال فاليري جيراسيموف، بهدف تفادي سوء التقدير وتوفير آلية لتجنب أي تصعيد غير مقصود من أي من الجانبين.
خاتمة
إن استئناف الحوار العسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا، على الرغم من التحديات الجمة التي تواجه العلاقات الثنائية، يمثل خطوة ضرورية وحكيمة. إنه يؤكد على مبدأ أن التواصل، حتى بين الخصوم، أمر حيوي لإدارة المخاطر الجيوسياسية والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار في عالم معقد ومترابط.


