كشفت تقارير إعلامية أمريكية حديثة عن إجراء الولايات المتحدة وروسيا محادثات سرية في أبوظبي، بهدف التوصل إلى اتفاق لمواصلة الالتزام ببنود معاهدة ‘نيو ستارت’ (New START) للحد من الأسلحة النووية. تأتي هذه المفاوضات في وقت بالغ الأهمية، حيث تسعى القوتان النوويتان الأكبر في العالم إلى الحفاظ على أحد الركائز الأساسية للاستقرار الاستراتيجي العالمي، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية.
ونقل موقع ‘أكسيوس’ عن ثلاثة مصادر مطلعة تأكيدها أن واشنطن وموسكو تجريان هذه المحادثات المكثفة، والتي استمرت لأكثر من أربع عشرة ساعة، في محاولة للتوصل إلى تفاهم بشأن مستقبل المعاهدة. ورغم التقدم المحرز، أشارت المصادر إلى أن الاتفاق النهائي لا يزال بحاجة إلى موافقة رئيسي البلدين. ويقود هذه المفاوضات من الجانب الأمريكي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، مبعوثا الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، مع مسؤولين روسيين بارزين.
وفي تعليق رسمي، أفاد مسؤول أمريكي رفيع المستوى بأن الطرفين اتفقا على ‘العمل بنية حسنة وبدء مناقشات حول السبل الممكنة لتحديث المعاهدة’. هذا التصريح يؤكد جدية المحادثات والرغبة المشتركة في إيجاد حلول تضمن استمرارية آليات الحد من التسلح النووي.
السياق التاريخي وأهمية المعاهدة:
تُعد معاهدة ‘نيو ستارت’ امتدادًا لسلسلة طويلة من اتفاقيات الحد من الأسلحة الاستراتيجية التي بدأت خلال الحرب الباردة، مثل معاهدات ‘سالت’ (SALT) و’ستارت’ (START). وقد وُقعت المعاهدة الأصلية في عام 2010 ودخلت حيز التنفيذ في عام 2011، لتضع قيودًا على عدد الرؤوس الحربية النووية المنشورة ووسائل إيصالها (مثل الصواريخ الباليستية العابرة للقارات والغواصات والقاذفات الثقيلة) التي يمكن للولايات المتحدة وروسيا امتلاكها. كما تتضمن آليات شفافة مهمة للتحقق والمراقبة، مما يقلل من سوء الفهم ويزيد من الثقة بين الجانبين.
في فبراير 2021، وبعد وقت قصير من توليه منصبه، قام الرئيس الأمريكي جو بايدن بتمديد المعاهدة لمدة خمس سنوات إضافية، لتظل سارية المفعول حتى عام 2026. كان هذا التمديد خطوة حاسمة لضمان الاستقرار الاستراتيجي في فترة اتسمت بتدهور العلاقات بين القوتين. هذه المحادثات الحالية قد تكون تمهيدًا لتمديد آخر لما بعد 2026 أو لتعديل بنودها لتناسب التحديات الأمنية الجديدة.
التأثيرات المتوقعة والتحديات المستقبلية:
إن استمرارية الالتزام بمعاهدة ‘نيو ستارت’ لها أهمية قصوى على الصعيدين الإقليمي والدولي. فعلى المستوى العالمي، تساهم المعاهدة في منع سباق تسلح نووي جديد، وهو ما قد تكون له عواقب كارثية على البشرية. كما أنها توفر قناة حوار أساسية بين واشنطن وموسكو حول قضايا الأمن الاستراتيجي، حتى في أوقات الخلافات العميقة حول قضايا أخرى مثل الصراع في أوكرانيا.
ومع ذلك، تواجه هذه الجهود تحديات كبيرة. أحد المخاوف الرئيسية التي عبر عنها البيت الأبيض هو أن المعاهدة لا تفرض قيودًا على الصين، التي تشهد ترسانتها النووية نموًا سريعًا. هذا الغياب للصين عن إطار الحد من التسلح النووي يثير تساؤلات حول فعالية أي اتفاقيات ثنائية في المستقبل، ويجعل من الضروري النظر في إطار أوسع يشمل جميع القوى النووية الكبرى. إن التوصل إلى اتفاق لتمديد أو تحديث ‘نيو ستارت’ سيبعث برسالة قوية إلى المجتمع الدولي حول التزام القوى العظمى بالحد من مخاطر الأسلحة النووية، ولكنه لن يحل التحديات الأوسع نطاقًا المتعلقة بالانتشار النووي وتوازن القوى العالمي.


