في تطور يعكس عمق الانقسام السياسي حول السياسة الخارجية الأمريكية، فشل مجلس الشيوخ الأمريكي، للمرة الخامسة، في تمرير مشروع قانون يهدف إلى الحد من صلاحيات ترمب العسكرية ضد إيران. هذا الرفض، الذي جاء بتصويت 46 مقابل 51، يمثل انتكاسة جديدة للجهود الديمقراطية الرامية إلى استعادة سلطة الكونغرس في إعلان الحرب، ويؤكد على استمرار الرئيس دونالد ترمب في امتلاك صلاحيات واسعة لاتخاذ قرارات عسكرية حاسمة تجاه طهران.
جذور التوتر: سياق العلاقات الأمريكية الإيرانية
لم تكن التوترات بين واشنطن وطهران وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها لعقود طويلة، تحديداً منذ الثورة الإيرانية عام 1979 وأزمة الرهائن. شهدت العلاقات فترات من التصعيد والتراجع، لكنها دخلت مرحلة حرجة مع وصول إدارة ترمب إلى السلطة. فقد تبنى الرئيس ترمب سياسة “الضغط الأقصى” بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) عام 2018، معتبراً إياه معيباً وغير كافٍ للحد من نفوذ إيران الإقليمي وبرنامجها الصاروخي. هذا الانسحاب أعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، مما فاقم التوترات ودفع بالمنطقة إلى حافة المواجهة.
تصاعدت حدة التوتر بشكل ملحوظ خلال فترة رئاسة ترمب، وشملت حوادث مثل الهجمات على ناقلات النفط في الخليج، واستهداف منشآت نفطية سعودية، وصولاً إلى اغتيال الجنرال الإيراني قاسم سليماني في غارة أمريكية بالعراق مطلع عام 2020. هذه الأحداث، التي وصفها البعض بأنها “حرب بين واشنطن وطهران” وإن كانت غير معلنة، دفعت بالعديد من أعضاء الكونغرس، خاصة الديمقراطيين، إلى السعي لتقييد قدرة الرئيس على شن عمليات عسكرية دون موافقة تشريعية صريحة، وذلك استناداً إلى مبدأ الفصل بين السلطات المنصوص عليه في الدستور الأمريكي.
معركة الصلاحيات: الكونغرس في مواجهة البيت الأبيض
لطالما كان تحديد من يمتلك صلاحية إعلان الحرب أو استخدام القوة العسكرية نقطة خلاف رئيسية في السياسة الأمريكية. فالدستور يمنح الكونغرس سلطة إعلان الحرب، بينما يخول الرئيس بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، سلطة توجيه العمليات العسكرية. وقد جاء قرار صلاحيات الحرب لعام 1973 (War Powers Resolution) كمحاولة من الكونغرس لاستعادة جزء من هذه السلطة بعد حرب فيتنام، حيث يفرض على الرئيس إخطار الكونغرس في غضون 48 ساعة من نشر القوات المسلحة في عمل عدائي، ويحدد مهلة 60 يوماً لانسحاب القوات ما لم يوافق الكونغرس على استمرارها. إلا أن الرؤساء المتعاقبين، ومنهم ترمب، غالباً ما تحدوا أو تجاهلوا هذا القرار، مما أثار جدلاً دستورياً مستمراً.
المحاولة الأخيرة في مجلس الشيوخ، والتي رفضت بأغلبية 46 صوتاً مقابل 51، كانت تهدف إلى منع أي استخدام إضافي للقوة العسكرية ضد إيران دون موافقة صريحة من الكونغرس. وقد شهد التصويت انقساماً حزبياً واضحاً، حيث صوت معظم الديمقراطيين لصالح القرار، بينما انضم إليهم السيناتور الجمهوري راند بول من كنتاكي. في المقابل، صوت السيناتور الديمقراطي جون تيستر من ولاية بنسلفانيا مع الجمهوريين ضد القرار، مما يسلط الضوء على التعقيدات الداخلية حتى داخل الأحزاب. هذا الفشل المتكرر في كبح صلاحيات ترمب العسكرية ضد إيران يعكس قوة الدعم الجمهوري للرئيس، ورغبتهم في منحه المرونة اللازمة للتعامل مع التهديدات الأمنية.
تداعيات القرار: مستقبل السياسة الأمريكية تجاه إيران
إن استمرار الرئيس ترمب في امتلاك صلاحيات واسعة لاتخاذ قرارات عسكرية تجاه إيران يحمل تداعيات إقليمية ودولية كبيرة. على الصعيد الإقليمي، يزيد هذا الوضع من حالة عدم اليقين والمخاطر في منطقة الشرق الأوسط، التي تعاني أصلاً من صراعات متعددة. أي تصعيد عسكري محتمل قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنطقة بشكل أوسع، ويؤثر على أسعار النفط العالمية، ويزيد من معاناة المدنيين، وربما يجر حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة إلى مواجهة مباشرة. كما أنه قد يدفع إيران إلى مزيد من التشدد في مواقفها، وربما تسريع برنامجها النووي رداً على الضغوط.
دولياً، يثير هذا القرار تساؤلات حول دور الولايات المتحدة في الدبلوماسية العالمية وقدرتها على بناء تحالفات مستقرة. فالحلفاء الأوروبيون، الذين عارضوا الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، يفضلون الحلول الدبلوماسية، وقد يرون في هذا الفشل التشريعي إشارة إلى استمرار النهج التصعيدي. داخلياً، يعكس هذا الصراع الدستوري حول صلاحيات الحرب انقساماً عميقاً في الرؤى حول كيفية إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، ويؤكد على أهمية النقاش العام حول التوازن بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في قضايا الأمن القومي.
في ظل هذه التطورات، أكد زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس الشيوخ، تشاك شومر، أن الديمقراطيين سيواصلون الضغط لإجراء تصويتات أسبوعية على صلاحيات الحرب، في محاولة لإجبار الجمهوريين على التعامل مع القضية بعقلانية وإنهاء ما وصفه بـ “الخطأ الفادح”. في المقابل، أعرب زعيم الأغلبية الجمهورية، جون ثون، عن رضاه عن نتيجة التصويت، مشيراً إلى أن الحزب الجمهوري يشعر بالارتياح إزاء قدرة الولايات المتحدة على تحقيق أهدافها في إيران. يبقى الصراع الدستوري مستمراً، ومعه تظل المنطقة على صفيح ساخن، بانتظار ما ستحمله الأيام القادمة من تطورات في ملف العلاقات الأمريكية الإيرانية المعقد.


