spot_img

ذات صلة

تصويت مجلس الشيوخ الأمريكي على تقييد صلاحيات ترمب العسكرية في فنزويلا

يواجه الجمهوريون في مجلس الشيوخ الأمريكي ضغوطاً متصاعدة من الرئيس دونالد ترمب، قبيل التصويت اليوم (الأربعاء) على مشروع قانون «صلاحيات الحرب»، الذي يهدف إلى تقييد قدرة الرئيس على تنفيذ أي تصعيد عسكري ضد فنزويلا. هذا التصويت المرتقب لا يمثل مجرد إجراء برلماني روتيني، بل هو اختبار حقيقي للتوازن الدستوري بين السلطتين التنفيذية والتشريعية في تحديد السياسة الخارجية للولايات المتحدة، خاصة فيما يتعلق بالتدخلات العسكرية المحتملة.

وكان خمسة جمهوريين قد انضموا إلى الديمقراطيين الأسبوع الماضي لدفع المشروع نحو التصويت، ما دفع ترمب إلى شن هجوم حاد على «المنشقين»، في محاولة لإفشال القرار، بحسب «أسوشيتد برس». وجاء فرض التصويت عقب العملية الأمريكية المفاجئة التي أسفرت عن إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، وهي خطوة أثارت جدلاً واسعاً حول نطاق السلطة الرئاسية في استخدام القوة خارج البلاد دون موافقة الكونغرس.

ووصف ترمب العملية بأنها «من أنجح العمليات على الإطلاق»، منتقداً معارضي التشريع داخل حزبه، وواصفاً السيناتور راند بول بـ«الخاسر»، فيما اعتبر ليزا موركوفسكي وسوزان كولينز «كارثة». وتزامنت تصريحاته مع مكالمات هاتفية مقتضبة مع أعضاء في مجلس الشيوخ، في محاولة أخيرة لحشد الدعم ضد مشروع القانون الذي يراه تقييداً غير مبرر لسلطاته كقائد أعلى للقوات المسلحة.

السياق التاريخي: قانون صلاحيات الحرب

يعود الجدل حول صلاحيات الحرب إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973 (War Powers Resolution)، الذي صدر بعد حرب فيتنام بهدف استعادة سلطة الكونغرس في إعلان الحرب والحد من قدرة الرئيس على إرسال القوات المسلحة إلى صراعات طويلة الأمد دون موافقة تشريعية. ينص القانون على ضرورة إبلاغ الرئيس للكونغرس خلال 48 ساعة من نشر القوات في الخارج، ويفرض سحب هذه القوات خلال 60 إلى 90 يوماً ما لم يصدر الكونغرس موافقة. لطالما كان هذا القانون نقطة خلاف بين الرؤساء والكونغرس، حيث يرى الرؤساء أنه يقيد صلاحياتهم الدستورية كقادة أعلى، بينما يصر الكونغرس على حقه الدستوري في إعلان الحرب.

الأزمة الفنزويلية: خلفية التدخل المحتمل

تأتي هذه التطورات في ظل أزمة سياسية واقتصادية وإنسانية عميقة تعصف بفنزويلا منذ سنوات. الولايات المتحدة، إلى جانب عشرات الدول الأخرى، لا تعترف بشرعية الرئيس نيكولاس مادورو وتدعم زعيم المعارضة خوان غوايدو كرئيس مؤقت. فرضت واشنطن عقوبات اقتصادية صارمة على كاراكاس بهدف الضغط على نظام مادورو، ولم تستبعد في بعض الأحيان خيارات أخرى، بما في ذلك التدخل العسكري. هذا السياق المعقد يجعل أي تحرك عسكري أمريكي محتمل في فنزويلا قضية حساسة للغاية، تحمل تداعيات إقليمية ودولية واسعة، وتثير مخاوف من تكرار سيناريوهات التدخلات الأمريكية السابقة في أمريكا اللاتينية.

القرار بانتظار توقيع ترمب وتأثيره المحتمل

ورغم احتمالات إقرار المشروع في مجلس الشيوخ، إلا أن تحوّله إلى قانون يبقى صعباً، كونه يتطلب توقيع ترمب نفسه، وهو أمر مستبعد للغاية نظراً لموقفه الرافض. ويُعدّ التصويت اختباراً حقيقياً لولاء الجمهوريين، ولمدى استعداد مجلس الشيوخ لمنح الرئيس حرية استخدام القوة العسكرية خارج البلاد. إن تمرير هذا القرار، حتى لو تم نقضه لاحقاً من قبل الرئيس، يبعث برسالة قوية حول رغبة الكونغرس في استعادة دوره الرقابي على السياسة الخارجية والعسكرية، ويؤكد على أهمية مبدأ الفصل بين السلطات.

وألمح السيناتور جوش هاولي إلى احتمال تغيير موقفه بعد تلقيه تطمينات من وزير الخارجية ماركو روبيو بعدم إرسال قوات برية، فيما قال سيناتور آخرون إنهم «يعيدون النظر». في المقابل، شدد ديمقراطيون على حق الكونغرس في الرقابة الدستورية على استخدام القوة العسكرية، مؤكدين أن أي قرار يتعلق بحياة الجنود الأمريكيين يجب أن يحظى بموافقة ممثلي الشعب.

تبريرات قانونية غير معلنة ومخاوف واسعة

واستند ترمب إلى تبريرات قانونية غير معلنة لتسويغ التدخل العسكري، ما أثار قلق مشرّعين، بينهم جمهوريون، طالبوا بكشف الأسس الدستورية للعملية. ومع محاولات قيادات الحزب الجمهوري احتواء الخلاف، سيُطرح القرار للتصويت، وسط ترقب لنتيجة قد تعمّق الانقسام داخل الحزب وتؤثر على صورته قبيل الانتخابات القادمة.

وأبدى عدد من المشرعين، بمن فيهم جمهوريون، قلقهم من مواقف ترمب الأخيرة في السياسة الخارجية، خصوصا تصريحاته حول «إدارة» فنزويلا لسنوات قادمة، وتهديده باستخدام القوة للاستحواذ على جرينلاند، إضافة إلى رسائله للإيرانيين المحتجين. هذه التصريحات تثير تساؤلات حول استراتيجية الإدارة الأمريكية وتفسيرها لصلاحيات الرئيس في الشؤون الدولية.

تداعيات التصويت: محلياً وإقليمياً ودولياً

يحمل هذا التصويت تداعيات كبيرة تتجاوز حدود واشنطن. على الصعيد المحلي، يعكس التصويت صراعاً داخلياً حول سلطة الرئاسة في اتخاذ قرارات الحرب، وقد يشكل سابقة لكيفية تعامل الكونغرس مع التحديات الأمنية المستقبلية. إقليمياً، قد يؤثر أي تدخل عسكري أمريكي في فنزويلا على استقرار أمريكا اللاتينية بأكملها، ويزيد من تدفق اللاجئين، ويؤجج التوترات الجيوسياسية في المنطقة. دولياً، يراقب العالم عن كثب هذا الجدل، حيث يمكن أن يؤثر على مصداقية الولايات المتحدة كقوة عالمية وعلى علاقاتها مع حلفائها وخصومها على حد سواء، خاصة فيما يتعلق بالالتزام بالقانون الدولي ومبادئ السيادة.

spot_imgspot_img