في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وتداعيات دبلوماسية وإنسانية، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية تعليق جميع إجراءات منح تأشيرات الهجرة للمتقدمين من 75 دولة حول العالم. أكدت الوزارة أن سفاراتها وقنصلياتها في هذه الدول سترفض منح التأشيرات بموجب تفسير جديد للقانون الأمريكي، الذي يهدف إلى منع دخول المهاجرين الذين قد يصبحون عبئاً على الدولة.
بدأ سريان هذا التعليق اعتباراً من 21 يناير، وقد أشارت البرقية التي أُرسلت إلى البعثات الأمريكية في الخارج إلى وجود مؤشرات قوية على أن مواطنين من هذه الدول قد سعوا أو يسعون للحصول على منافع عامة في الولايات المتحدة. هذه السياسة، التي تندرج ضمن مبدأ “العبء العام” (Public Charge)، تهدف إلى ضمان أن المهاجرين المحتملين لن يعتمدوا على المساعدات الحكومية الأمريكية.
وفي تصريح لنائب المتحدث باسم وزارة الخارجية، تومي بيغوت، أكد أن الوزارة ستستخدم صلاحياتها القائمة منذ فترة طويلة لوقف المهاجرين المحتملين غير المؤهلين، والذين قد يُصبحون عبئاً على البلاد ويستغلون كرم الشعب الأمريكي. هذا الموقف يعكس التوجه العام لإدارة الرئيس السابق دونالد ترامب، التي تبنت سياسات هجرة صارمة تحت شعار “أمريكا أولاً”.
شمل القرار الأمريكي قائمة واسعة من الدول، منها 13 دولة عربية هي: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، ولبنان، وسورية، وليبيا، والسودان، والمغرب، وتونس، والصومال، واليمن. كما تضمن القرار دولاً أخرى مثل روسيا، وإيران، ومولدوفا، والجبل الأسود، ومنغوليا، والنيبال، وباكستان، ونيجيريا، ورواندا، والسنغال، وجنوب السودان، وتنزانيا، وتايلند، وتوغو، وأوغندا، والأوروغواي، وأوزبكستان، وغيرها، مما يعكس نطاقاً جغرافياً واسعاً للتأثير.
السياق التاريخي والسياسات المتشددة:
يأتي قرار تعليق تأشيرات الهجرة هذا في سياق حملة أوسع نفذتها الإدارة الأمريكية السابقة لوقف الهجرة غير الشرعية وتقييد الهجرة القانونية، تنفيذاً لوعود الرئيس ترامب الانتخابية. منذ توليه منصبه في عام 2017، اتخذت إدارة ترامب سلسلة من الإجراءات التي هدفت إلى إعادة تشكيل نظام الهجرة الأمريكي، بما في ذلك بناء الجدار الحدودي مع المكسيك، وتطبيق حظر السفر على مواطني عدة دول ذات أغلبية مسلمة، وتشديد إجراءات اللجوء. كان الهدف المعلن لهذه السياسات هو حماية الأمن القومي الأمريكي ومصالح العمال الأمريكيين، وتقليل الضغط على الخدمات العامة.
تعتبر قاعدة “العبء العام” التي استند إليها هذا القرار، جزءاً محورياً من هذه الاستراتيجية. ففي عام 2019، أصدرت الإدارة تعديلات واسعة على هذه القاعدة، مما جعل من الصعب على المهاجرين الحصول على البطاقة الخضراء (الإقامة الدائمة) إذا كانوا قد استخدموا أو من المحتمل أن يستخدموا برامج المساعدة العامة مثل المساعدات الغذائية أو الإسكان المدعوم أو الرعاية الصحية. وقد أثارت هذه التعديلات انتقادات واسعة من منظمات حقوق الإنسان والمدافعين عن المهاجرين، الذين اعتبروها تمييزية وتستهدف الفقراء.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة:
كان لهذا القرار تداعيات كبيرة على مستويات متعددة. على الصعيد الإنساني والاجتماعي، أدى تعليق التأشيرات إلى فصل العديد من العائلات، وترك آلاف المتقدمين في حالة من عدم اليقين بشأن مستقبلهم. كما أثر على الطلاب والمهنيين الذين كانوا يخططون للهجرة إلى الولايات المتحدة بحثاً عن فرص تعليمية أو مهنية أفضل، مما قد يؤدي إلى “هجرة الأدمغة” نحو دول أخرى أكثر ترحيباً.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أثار القرار مخاوف بشأن تأثيره على سوق العمل الأمريكي، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمالة المهاجرة. في حين أن القرار ركز على تأشيرات الهجرة، إلا أن الإشارة إلى فرض رسوم باهظة على تأشيرات (إتش-1 بي) للعاملين ذوي المهارات العالية، تعكس توجهاً أوسع لتقييد تدفق الكفاءات، مما قد يؤثر على الابتكار والنمو الاقتصادي في الولايات المتحدة على المدى الطويل. بالنسبة للدول المتأثرة، قد يؤدي هذا القرار إلى انخفاض في التحويلات المالية التي يرسلها المهاجرون إلى أوطانهم، والتي تشكل جزءاً مهماً من اقتصادات بعض هذه الدول.
دبلوماسياً، أثار القرار توترات مع العديد من الدول المتأثرة، وأثار انتقادات من المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الإنسان التي رأت فيه انتهاكاً للمبادئ الإنسانية وحقوق المهاجرين. كما أنه أثر على صورة الولايات المتحدة كوجهة جاذبة للمهاجرين والمواهب من جميع أنحاء العالم، مما قد يقلل من نفوذها الثقافي والدبلوماسي على المدى الطويل.
في الختام، يمثل قرار تعليق تأشيرات الهجرة من 75 دولة نقطة تحول مهمة في سياسة الهجرة الأمريكية، ويعكس تحولاً جذرياً في النهج تجاه المهاجرين. وبينما تهدف هذه السياسات إلى حماية المصالح الوطنية، فإن تداعياتها الإنسانية والاقتصادية والدبلوماسية تستدعي تقييماً مستمراً وتوازناً دقيقاً بين الأمن والكرم الذي طالما اشتهرت به الولايات المتحدة.


