في خطوة تعكس تعقيدات المشهد الأمني في المنطقة، بدأت القوات الأمريكية عملية واسعة النطاق لنقل آلاف المعتقلين من عناصر تنظيم “داعش” الإرهابي من السجون في شمال شرق سوريا إلى العراق. تأتي هذه العملية، التي أفصحت عنها مصادر مطلعة وأكدتها القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، بهدف رئيسي هو ضمان بقاء هؤلاء الإرهابيين في مرافق احتجاز آمنة، وذلك في ظل المخاوف المتزايدة من احتمالية فرارهم أو استغلال الفوضى الأمنية. وتشير التقارير الأولية إلى أن الجسر الجوي الأمريكي يعتزم نقل ما يصل إلى 500 سجين يومياً، في مهمة لوجستية وأمنية بالغة التعقيد.
تعود جذور هذه الأزمة إلى صعود تنظيم داعش الإرهابي في عام 2014، عندما استغل التنظيم الفراغ الأمني والاضطرابات في كل من العراق وسوريا ليفرض سيطرته على مساحات شاسعة من الأراضي، معلناً ما أسماه “الخلافة”. ارتكب التنظيم جرائم وحشية وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، مما استدعى تشكيل تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة لمكافحته. ورغم الهزيمة الإقليمية لداعش في عام 2019، إلا أن آلاف المقاتلين الأجانب والمحليين، بالإضافة إلى عائلاتهم، ظلوا محتجزين في سجون ومخيمات تديرها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، مما شكل عبئاً أمنياً وإنسانياً هائلاً.
لطالما شكلت قضية معتقلي داعش في سوريا تحدياً كبيراً للمجتمع الدولي. فالسجون المكتظة والمخيمات مثل مخيم الهول، التي تضم عشرات الآلاف من أفراد عائلات مقاتلي داعش، كانت بؤراً محتملة للتطرف وإعادة التنظيم. وقد تزايدت هذه المخاوف بشكل خاص بعد التطورات الأخيرة في شمال وشرق سوريا، بما في ذلك انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من بعض المناطق على وقع المواجهات، مما أثار قلق الاتحاد الأوروبي وتقارير عن فرار بعض الأجانب المحتجزين. هذا الوضع دفع بالولايات المتحدة إلى تسريع عملية نقل المعتقلين الأكثر خطورة لضمان عدم عودتهم إلى ساحة المعركة.
وفقاً للقيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، فإن المهمة الجديدة تستهدف نقل ما يصل إلى 7000 معتقل من عناصر التنظيم المتطرف. وقد تم بالفعل نقل الدفعة الأولى التي ضمت 150 معتقلاً من أحد سجون الحسكة إلى العراق. وكشف مسؤولون أمنيون عراقيون أن هذه المجموعة الأولية تضم “قادة بارزين في تنظيم داعش وأبشع المجرمين” من جنسيات متعددة، بما في ذلك أوروبيون وآسيويون وعرب وعراقيون. وأشار مسؤول ثانٍ إلى أن المجموعة تضمنت 85 عراقياً و65 أجنبياً من دول مثل السودان والصومال ودول القوقاز، بالإضافة إلى أوروبيين. وقد شارك هؤلاء، الذين كانوا على مستوى “أمراء” في التنظيم، في عمليات داعش الإرهابية في العراق وسوريا، خاصة خلال فترة سيطرة التنظيم الواسعة في عام 2014.
في ظل هذه التطورات، تبرز أهمية الجانب القانوني والإنساني. فقد دعت منظمة العفو الدولية، التي رجحت أن يكون بين الـ7000 معتقل سوريون وعراقيون وأجانب، وقرابة ألف فتى وشاب، إلى ضمان محاكمات عادلة لهؤلاء المعتقلين في العراق، مع التأكيد على ضرورة عدم اللجوء إلى عقوبة الإعدام. كما طالبت المنظمة الولايات المتحدة بوضع ضمانات عاجلة قبل نقل العناصر المتبقين، لضمان التزام العراق بالمعايير الدولية للمحاكمة. لطالما واجه العراق ضغوطاً هائلة في التعامل مع آلاف المعتقلين من داعش، وقد أصدر أحكاماً بالإعدام ضد بعضهم، مما يثير مخاوف المنظمات الحقوقية.
تؤكد هذه العملية على الدور المحوري للعراق في مكافحة الإرهاب، ولكنه يضع أيضاً عبئاً كبيراً على كاهله من حيث الأمن والعدالة. فبينما تطالب بغداد الدول الأوروبية باستعادة مواطنيها المتورطين في صفوف داعش، لا يزال الاتحاد الأوروبي متردداً، مما يعكس تعقيد التحديات القانونية والأمنية المرتبطة بإعادة دمج هؤلاء الأفراد أو محاكمتهم. إن نقل هؤلاء المعتقلين يمثل خطوة حاسمة نحو تعزيز الاستقرار الإقليمي ومنع عودة ظهور التنظيم، لكنه يتطلب تعاوناً دولياً مستمراً ودعماً للعراق في جهوده لمواجهة هذا التهديد المستمر.


