spot_img

ذات صلة

تحذير أمريكي لأوروبا من غضب ترمب حول غرينلاند: تحليل جيوسياسي

في تطور دبلوماسي لافت، حذر وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت القادة الأوروبيين من مغبة إثارة غضب الرئيس دونالد ترمب، داعياً إياهم إلى ضبط النفس وتجنب ردود الأفعال «الغاضبة» حيال مقترح الولايات المتحدة بضم جزيرة غرينلاند. جاء ذلك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا، حيث شدد بيسنت على ضرورة الجلوس والاستماع إلى حجج الرئيس ترمب قبل إصدار الأحكام.

وقبل ساعات من وصول ترمب إلى الاجتماع السنوي للمنتدى، صرح بيسنت للصحفيين قائلاً: «أقول للجميع.. خذوا نفساً عميقاً.. وتجنبوا الانسياق الذي رأيناه نحو ردود الفعل الغاضبة ولا تدعوا هذه المرارة تتسلل إليكم». وتساءل الوزير الأمريكي: «لماذا لا تجلسون وتنتظرون وصول الرئيس ترمب وتستمعون إلى حججه؟». تأتي هذه الدعوة في سياق تصاعد التوترات حول فكرة شراء أو ضم غرينلاند، وهي منطقة حكم ذاتي تابعة للدنمارك، والتي أثارت جدلاً واسعاً على الساحة الدولية.

ولتعزيز موقف الإدارة الأمريكية، استشهد بيسنت بسابقة تاريخية، مشيراً إلى أن الدنمارك باعت أراضي في منطقة البحر الكاريبي للولايات المتحدة عام 1917، والتي أعيد تسميتها لاحقاً بالجزر العذراء الأمريكية. وأوضح أن الدنمارك، التي حافظت على حيادها خلال الحرب العالمية الأولى، «أدركت حينها الأهمية الاستراتيجية للجزر العذراء الأمريكية، وكانت قلقة بشأن التداعيات الألمانية المحتملة وامتداد الحرب إلى منطقة الكاريبي، بينما كانت الولايات المتحدة في حاجة ماسة إلى هذه الجزر». هذا الاستشهاد يهدف إلى تقديم سياق تاريخي لمقترح ترمب، وإن كانت الظروف الجيوسياسية الحالية مختلفة تماماً.

تتمتع غرينلاند بأهمية جيوسياسية واستراتيجية بالغة، خاصة في منطقة القطب الشمالي التي تزداد أهميتها بسبب التغيرات المناخية وفتح ممرات ملاحية جديدة، بالإضافة إلى مواردها الطبيعية المحتملة من المعادن والنفط والغاز. لطالما كانت الولايات المتحدة مهتمة بالمنطقة القطبية الشمالية لأسباب دفاعية وعلمية، وقد سبق لها أن أبدت اهتماماً بشراء غرينلاند في فترات سابقة، أبرزها بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الاهتمام المتجدد يعكس رؤية استراتيجية أوسع للسيطرة على الممرات البحرية والموارد في القطب الشمالي.

من جانبها، أبدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين قلقها من أن «الخلافات بين الحلفاء بشأن غرينلاند تفيد خصومنا»، داعية الاتحاد الأوروبي إلى التخلي عن حذره التقليدي في عالم تسوده القوة الفجّة. وقد انعكس هذا الموقف في ردود فعل أوروبية موحدة وحازمة. فقد دعت فرنسا في وقت سابق حلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى إجراء مناورات عسكرية في غرينلاند، مؤكدة استعدادها للمشاركة فيها، مما يسلط الضوء على الأهمية الدفاعية للجزيرة ضمن استراتيجية الناتو.

وكانت الدول الأوروبية المستهدفة بتهديدات ترمب بفرض رسوم جمركية بسبب معارضتها لخطته ضم غرينلاند، قد أكدت وحدة موقفها. ففي بيان مشترك، أشارت بريطانيا والدنمارك وفنلندا وفرنسا وألمانيا وهولندا والنرويج والسويد إلى أن «التهديدات بفرض رسوم جمركية تقوض العلاقات عبر الأطلسي وتنذر بتدهور خطير». ووصف العديد من القادة الأوروبيين، بمن فيهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء النرويجي جوناس غار ستور، تهديدات ترمب بـ«غير المقبولة»، مؤكدين على مبادئ السيادة واحترام القانون الدولي.

وقد رفض الاتحاد الأوروبي بشكل قاطع فكرة ضم الولايات المتحدة للجزيرة القطبية التابعة للدنمارك أو التهديد بفرض رسوم، محذراً من «دوامة خطيرة» قد تؤثر سلباً على العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين ضفتي الأطلسي. وفي إشارة إلى الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، أرسلت فرنسا والسويد وألمانيا والنرويج وهولندا وفنلندا وسلوفينيا وبريطانيا عسكريين إلى غرينلاند في مهمة استطلاع، كجزء من تدريب نظمته الدنمارك بالتعاون مع دول في حلف شمال الأطلسي، مما يؤكد على التزام الحلفاء بأمن المنطقة واستقرارها.

هذا الخلاف حول غرينلاند لا يمثل مجرد قضية إقليمية، بل هو مؤشر على التحديات الأوسع التي تواجه العلاقات عبر الأطلسي في ظل سياسات “أمريكا أولاً”. إنه يثير تساؤلات حول مستقبل التحالفات التقليدية، ويبرز الحاجة إلى حوار دبلوماسي بناء لتجاوز الخلافات والحفاظ على وحدة الصف في مواجهة التحديات العالمية المشتركة.

spot_imgspot_img