تتصاعد التكهنات مجدداً حول مستقبل الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، حيث كشفت تقارير إعلامية أمريكية، نقلاً عن مسؤولين في الإدارة، عن وجود خطة لسحب كامل القوات الأمريكية من الأراضي السورية، والتي يقدر عددها بنحو ألف جندي. هذه الخطوة، إن تمت، ستشكل تحولاً استراتيجياً كبيراً في مسار الصراع السوري المعقد وتوازنات القوى في المنطقة.
خلفية التدخل العسكري الأمريكي في سوريا
بدأ التدخل العسكري الأمريكي في سوريا بشكل رسمي في أواخر عام 2014، كجزء من استراتيجية أوسع لتشكيل “التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش”. في البداية، اقتصر التدخل على شن غارات جوية ضد معاقل التنظيم، لكنه تطور في أكتوبر 2015 ليشمل إرسال قوات خاصة على الأرض. تمثلت مهمة هذه القوات، التي زاد عددها تدريجياً، في تقديم المشورة والتدريب والدعم اللوجستي لشركاء محليين، وعلى رأسهم “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، وهي تحالف من فصائل كردية وعربية أثبت فعالية كبيرة في قتال التنظيم على الأرض.
أثمر هذا التعاون عن تحقيق نجاحات ميدانية حاسمة، أبرزها تحرير مدينة الرقة، التي كانت تعتبر عاصمة “الخلافة” المزعومة، وصولاً إلى إعلان القضاء على سيطرة التنظيم الجغرافية بشكل كامل في مارس 2019. ومع ذلك، استمر الوجود الأمريكي تحت هدفين رئيسيين: منع عودة ظهور تنظيم “داعش” من خلال خلاياه النائمة، ومواجهة النفوذ الإيراني المتزايد في سوريا.
أهمية استراتيجية وتداعيات محتملة للانسحاب
وفقاً لصحيفة “وول ستريت جورنال”، فإن إدارة الرئيس دونالد ترامب قررت أن الوجود العسكري لم يعد ضرورياً بعد الهزيمة الكبيرة التي لحقت بتنظيم “داعش”. وأشار التقرير إلى أن عمليات الانسحاب قد بدأت بالفعل من مواقع استراتيجية هامة مثل قاعدة التنف، الواقعة عند المثلث الحدودي بين سوريا والأردن والعراق، والتي كانت تلعب دوراً محورياً في قطع طرق الإمداد الإيرانية، بالإضافة إلى قاعدة الشدادي في شمال شرق سوريا.
يثير الانسحاب الكامل المحتمل تساؤلات عميقة حول مصير الحلفاء المحليين، خاصة “قوات سوريا الديمقراطية”. فقد يتركهم هذا القرار في مواجهة تهديدات متعددة، أبرزها العمليات العسكرية التركية التي تعتبر وحدات حماية الشعب الكردية (المكون الرئيسي لقسد) منظمة إرهابية، بالإضافة إلى ضغوط النظام السوري وروسيا لاستعادة السيطرة على مناطق شرق الفرات الغنية بالنفط والموارد الزراعية.
تأثير إقليمي ودولي
على الصعيد الإقليمي، يُنظر إلى الانسحاب الأمريكي على أنه سيخلق فراغاً استراتيجياً من المرجح أن تملأه روسيا وإيران، حليفتا دمشق الرئيسيتان. هذا الأمر سيعزز من موقف الرئيس السوري بشار الأسد، وقد يغير ديناميكيات الصراع بشكل جذري. كما يثير قلق دول أخرى في المنطقة، مثل إسرائيل، التي تعتمد على الوجود الأمريكي للحد من التموضع العسكري الإيراني بالقرب من حدودها.
دولياً، قد يُفسر هذا القرار على أنه مؤشر على تراجع الاهتمام الأمريكي بمنطقة الشرق الأوسط، وتخلي عن الحلفاء بعد تحقيق الهدف المباشر المتمثل في هزيمة “داعش”. وبينما يرى البعض أن الوقت قد حان لإنهاء “الحروب التي لا تنتهي”، يحذر آخرون من أن الانسحاب المتسرع قد يمهد الطريق لعودة التنظيمات المتطرفة ويزيد من حالة عدم الاستقرار في منطقة مضطربة بالفعل.


