انسحبت الولايات المتحدة رسمياً من منظمة الصحة العالمية في خطوة أثارت جدلاً واسعاً وتحذيرات دولية من تداعياتها السلبية على قطاع الصحة العالمي والأمريكي على حد سواء. جاء هذا القرار، الذي أعلنته إدارة الرئيس دونالد ترمب في يوليو 2020، نتيجة لما وصفته واشنطن بإخفاقات المنظمة التابعة للأمم المتحدة في التعامل مع جائحة كوفيد-19. وقد دخل قرار الانسحاب حيز التنفيذ بعد عام من الإخطار الرسمي، في يوليو 2021، رغم أن الإدارة الأمريكية الجديدة برئاسة جو بايدن سرعان ما ألغت هذا القرار وأعادت الولايات المتحدة إلى المنظمة.
تأسست منظمة الصحة العالمية عام 1948 كوكالة متخصصة تابعة للأمم المتحدة، بهدف تعزيز الصحة العالمية، ومكافحة الأمراض، وتنسيق الجهود الدولية في مجال الصحة العامة. لطالما كانت الولايات المتحدة عضواً مؤسساً وداعماً رئيسياً للمنظمة، حيث كانت أكبر مساهم مالي لها، مما منحها نفوذاً كبيراً في توجيه سياساتها وبرامجها. هذا الانسحاب لم يكن مجرد قرار إداري، بل كان يمثل تحولاً جذرياً في نهج واشنطن تجاه التعددية والمؤسسات الدولية، وهو ما يتماشى مع سياسة “أمريكا أولاً” التي تبنتها إدارة ترمب، والتي شهدت انسحاباً من اتفاقيات دولية أخرى مثل اتفاق باريس للمناخ والاتفاق النووي الإيراني.
تصاعدت حدة التوتر بين إدارة ترمب ومنظمة الصحة العالمية بشكل ملحوظ مع تفشي جائحة كوفيد-19. اتهمت واشنطن المنظمة بالانحياز للصين والتأخر في الإبلاغ عن خطورة الفيروس، بالإضافة إلى عدم الشفافية في التعامل مع المعلومات الأولية. رأت الإدارة الأمريكية أن المنظمة فشلت في أداء دورها القيادي خلال الأزمة الصحية العالمية، مما دفعها إلى اتخاذ قرار الانسحاب، معلنة عزمها على تحويل التمويل المخصص للمنظمة إلى جهات أخرى والعمل مباشرة مع الدول لمراقبة الأمراض وأولويات الصحة العامة.
كان للانسحاب الأمريكي تداعيات محتملة واسعة النطاق. على الصعيد العالمي، أثار مخاوف جدية بشأن مستقبل التعاون الدولي في مجال الصحة، خاصة في ظل جائحة تتطلب استجابة موحدة. فقدان أكبر ممول للمنظمة كان من شأنه أن يؤثر على قدرتها على تنفيذ برامجها الحيوية، مثل حملات التطعيم ضد شلل الأطفال والملاريا وفيروس نقص المناعة البشرية/الإيدز، بالإضافة إلى جهود التأهب للأوبئة المستقبلية. أما على الصعيد المحلي، فقد حذر خبراء الصحة الأمريكيون من أن الانسحاب قد يعزل الولايات المتحدة عن شبكة المعلومات العالمية الحيوية لمكافحة الأمراض، ويضعف قدرتها على حماية مواطنيها من التهديدات الصحية العابرة للحدود. كما أن إزالة العلم الأمريكي من أمام مقر المنظمة في جنيف، كما أفاد شهود عيان، كان رمزاً قوياً لهذا الانفصال.
لحسن الحظ، لم يدم هذا الانسحاب طويلاً. فمع تولي الرئيس جو بايدن مهام منصبه في يناير 2021، كانت إحدى أولى قراراته هي إعادة الولايات المتحدة إلى منظمة الصحة العالمية، مؤكداً على أهمية الدور الأمريكي في قيادة الجهود العالمية لمكافحة الأوبئة وتعزيز الصحة. هذا القرار أعاد الأمل في تعزيز التعددية والتعاون الدولي في مجال الصحة، لكنه ترك دروساً مستفادة حول هشاشة المؤسسات الدولية وأهمية الدعم المستمر لها في مواجهة التحديات العالمية.


