كشفت شبكة CNBC الاقتصادية مؤخراً عن أرقام صادمة تتعلق بالالتزامات الخارجية لفنزويلا، والتي تتراوح بين 150 و170 مليار دولار. هذا الرقم المهول يقف في تناقض صارخ مع الناتج المحلي الإجمالي المتوقع للبلاد لعام 2025، والذي لا يتجاوز 82 مليار دولار. هذه الفجوة الهائلة تجعل أي خطة سداد مباشرة شبه مستحيلة، وتضع الدولة الواقعة في أمريكا الجنوبية أمام ما يمكن وصفه بـ “ساعة الحساب الكبرى” التي قد تعيد تشكيل مستقبلها الاقتصادي والسياسي.
وفقاً لهذه البيانات، فإن دين فنزويلا يفوق حجم اقتصادها بأكثر من الضعف، ممثلاً نسبة 200% من الناتج المحلي الإجمالي. هذا الوضع لا يمثل مجرد تحدٍ اقتصادي داخلي، بل يشكل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي، وله تداعيات خطيرة على العملات المحلية، معدلات التضخم المتفاقمة، وقدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية الحيوية. إنها أزمة تتجاوز الحدود الفنزويلية لتلقي بظلالها على المشهد الاقتصادي والجيوسياسي الأوسع.
خلفية الأزمة: من الثراء النفطي إلى الانهيار
لم تكن فنزويلا دائماً في هذا الوضع الحرج. ففي العقود الماضية، كانت البلاد تتمتع بثراء نفطي هائل، حيث تمتلك أكبر احتياطيات نفطية مؤكدة في العالم. لكن الاعتماد المفرط على النفط، إلى جانب سنوات من سوء الإدارة الاقتصادية والفساد، خاصة خلال فترة حكم الرئيس الراحل هوغو شافيز وخلفه نيكولاس مادورو، أدى إلى تآكل البنية التحتية وتراجع الإنتاج. تفاقمت الأزمة مع انهيار أسعار النفط العالمية في منتصف العقد الماضي، وتصاعد العقوبات الاقتصادية الدولية، لا سيما تلك المفروضة من قبل الولايات المتحدة، والتي استهدفت قطاع النفط الحيوي في البلاد، مما أدى إلى شل قدرتها على توليد العملة الصعبة.
النفط كأداة ضغط: صراع المصالح الدولية
مع استيلاء واشنطن على صادرات النفط الفنزويلي واحتجاز بعض الموارد الاستراتيجية، أصبح النفط، الذي كان يوماً مصدر قوة فنزويلا، أداة ضغط مباشرة على الدولة. هذا التحرك يهدف إلى ضمان سداد الديون أو إعادة هيكلة الاقتصاد الفنزويلي وفق شروط أمريكية، مما يعزز قدرة الدائنين الأمريكيين والصناديق الانتهازية على فرض شروطهم. ومع ذلك، فإن هذه الضغوط تزيد من احتمالية تصعيد النزاع السياسي والاقتصادي، ليس فقط داخل فنزويلا بين الحكومة والمعارضة، بل أيضاً على الساحة الدولية، حيث تتصارع القوى الكبرى على النفوذ.
حلول معقدة وتصعيد محتمل
في ظل هذا المشهد المعقد، يرى محللو بنك سيتي غروب أن الحل الوحيد لإبقاء فنزويلا واقفة على قدميها هو شطب نحو 50% من قيمة الديون الحالية، وإصدار سندات جديدة لأجل 20 عاماً بفائدة 4.4% لتعويض المستثمرين. لكن هذا الاتفاق ليس بالأمر الهين؛ فهو يتطلب موافقة لاعبين دوليين رئيسيين مثل الصين وروسيا، اللتين تعدان من أكبر دائني فنزويلا وحلفائها السياسيين. كما يتطلب موازنة مصالح المستثمرين الدوليين المتعددين، وهو ما أصبح أكثر تعقيداً بعد الضغوط الأمريكية والسيطرة على أصول نفطية فنزويلية، مما يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى أي مفاوضات محتملة.
قنبلة اقتصادية وسياسية ذات تداعيات إقليمية وعالمية
إن ديون فنزويلا لم تعد مجرد أرقام على الورق، بل تحولت إلى قنبلة اقتصادية وسياسية موقوتة تهدد النظام السياسي الهش في البلاد، وتزعزع استقرار الأسواق المحلية، وتؤثر سلباً على استقرار العلاقات الدولية في المنطقة وخارجها. إن تداعيات هذه الأزمة تتجاوز الاقتصاد لتشمل أزمة إنسانية واسعة النطاق، مع موجات هجرة جماعية تؤثر على دول الجوار مثل كولومبيا والبرازيل. ومع استمرار سيطرة واشنطن على بعض الأصول النفطية الفنزويلية، والضغوط المستمرة على حكومة مادورو، أصبح أي حل اقتصادي مستدام مرتبطاً بشكل وثيق بالتحولات السياسية العالمية والتوافق بين القوى الكبرى، مما يجعل المستقبل الاقتصادي والسياسي لفنزويلا محفوفاً بالمخاطر والتحديات الجسيمة.


