انتعاش في الأسواق الأمريكية
شهدت مؤشرات الأسهم الرئيسية في وول ستريت ارتفاعًا ملحوظًا في مستهل تعاملات اليوم، مدفوعة ببيانات اقتصادية إيجابية خففت من حدة المخاوف التي سادت الأسواق مؤخرًا بشأن احتمالية حدوث ركود اقتصادي. وجاء هذا الصعود بعد يوم من التفاؤل الحذر، حيث أظهر تقرير الوظائف الأمريكي قوة غير متوقعة في سوق العمل، مما أعاد الثقة للمستثمرين وحوّل تركيزهم نحو موسم إعلان نتائج أرباح الشركات.
ووفقًا لبيانات التداول، ارتفع مؤشر “داو جونز الصناعي” بواقع 48.9 نقطة، أي ما يعادل 0.10%، ليصل إلى مستوى 50,170.27 نقطة. كما سجل مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” الأوسع نطاقًا تقدمًا بمقدار 16.1 نقطة، أو 0.23%، ليبلغ 6,957.54 نقطة. ولم يتخلف مؤشر “ناسداك المجمع” الذي يغلب عليه أسهم قطاع التكنولوجيا، حيث أضاف 76.4 نقطة، بنسبة 0.33%، مسجلاً 23,142.87 نقطة.
سوق العمل الأمريكي يظهر مرونة
كان المحرك الرئيسي لهذا الأداء الإيجابي هو تقرير الوظائف الشهري الصادر عن الحكومة الأمريكية، والذي كشف عن إضافة الاقتصاد 130 ألف وظيفة جديدة في شهر يناير، وهو رقم فاق توقعات المحللين. وتزامن ذلك مع انخفاض مفاجئ في معدل البطالة إلى 4.3%، مقارنة بـ 4.4% في الشهر السابق، مما يشير إلى أن سوق العمل لا يزال يتمتع بصلابة وقوة رغم التحديات الاقتصادية العالمية.
ومع ذلك، حمل التقرير بعض الإشارات المتباينة. فقد قامت الحكومة بمراجعات كبيرة لبيانات الوظائف للعامين 2024-2025، مما أدى إلى خفض كبير في أعداد الوظائف التي أُعلن عنها سابقًا. حيث تم تقليص عدد الوظائف المستحدثة العام الماضي إلى 181 ألف وظيفة فقط، وهو ما يمثل ثلث الرقم المعلن سابقًا (584 ألفًا)، ويعتبر أضعف أداء سنوي منذ عام 2020 الذي شهد تداعيات جائحة كورونا.
السياق الاقتصادي وتأثيره العالمي
يأتي هذا التطور في سياق اقتصادي معقد. فعلى مدار العامين الماضيين، اتبع مجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) سياسة نقدية متشددة، رافعًا أسعار الفائدة بشكل متكرر لكبح جماح التضخم الذي وصل إلى أعلى مستوياته في أربعة عقود. هذه السياسة أثارت مخاوف المستثمرين من أن التشديد النقدي المفرط قد يدفع أكبر اقتصاد في العالم نحو الركود، وهو ما يُعرف بـ “الهبوط الحاد”.
إن قوة سوق العمل الحالية، رغم بعض الإشارات المتباطئة، تعزز آمال تحقيق “هبوط ناعم”، وهو سيناريو ينجح فيه الفيدرالي في السيطرة على التضخم دون التسبب في انكماش اقتصادي حاد. وتكتسب هذه البيانات أهمية كبرى ليس فقط على الصعيد المحلي، بل على الصعيدين الإقليمي والدولي أيضًا. فاستقرار الاقتصاد الأمريكي يعزز ثقة المستثمرين العالميين، ويؤثر بشكل مباشر على أسواق الأسهم العالمية، وأسعار صرف العملات، وتدفقات التجارة الدولية، نظرًا لكونه المحرك الرئيسي للنمو العالمي.
نظرة مستقبلية وترقب المستثمرين
على الرغم من موجة التسريحات التي أعلنت عنها بعض الشركات الكبرى مؤخرًا، إلا أن طلبات إعانة البطالة الأسبوعية لا تزال ضمن نطاق منخفض تاريخيًا، حيث انخفضت الأسبوع الماضي إلى 227 ألف طلب. ومع انحسار المخاوف المباشرة من الركود، يتجه المستثمرون الآن لمراقبة نتائج أعمال الشركات عن كثب، والتي ستقدم صورة أوضح عن مدى تأثر أرباح الشركات بارتفاع تكاليف الاقتراض والضغوط التضخمية، مما سيساعد في تحديد مسار الأسواق في الفترة المقبلة.


