تصاعدت في الآونة الأخيرة التحذيرات الصادرة عن خبراء الصحة وعلماء النبات حول العالم بشأن ظاهرة خطيرة تغزو منصات بيع الكتب الإلكترونية، وتتمثل في انتشار كتب العلاجات العشبية وأدلة البحث عن الطعام (Foraging) التي تم تأليفها بالكامل بواسطة تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. هذه الكتب، التي غالبًا ما تباع بأسعار زهيدة وتتصدر قوائم البحث، قد تحتوي على معلومات مضللة وقاتلة تهدد حياة المستهلكين.
السياق التقني وظاهرة النشر العشوائي
مع الطفرة الهائلة التي شهدها قطاع التكنولوجيا بظهور نماذج لغوية متطورة مثل ChatGPT وغيرها، أصبح من السهل توليد نصوص طويلة في ثوانٍ معدودة. استغل بعض المنتفعين هذه التقنية لإغراق منصات النشر الذاتي، مثل “أمازون كيندل” (Amazon KDP)، بآلاف الكتب التي تدعي تقديم نصائح طبية بديلة أو أدلة للتعرف على الفطر والنباتات البرية. المشكلة الجوهرية تكمن في أن نماذج الذكاء الاصطناعي تعمل بنظام التنبؤ بالنص التالي بناءً على الاحتمالات اللغوية، وليس بناءً على الحقائق العلمية المؤكدة، مما يؤدي إلى ما يعرف تقنياً بـ “الهلوسة” (Hallucinations)، حيث يختلق النموذج معلومات تبدو مقنعة لغوياً لكنها كارثية علمياً.
مخاطر صحية تصل إلى حد الوفاة
تكمن الخطورة القصوى في مجالين رئيسيين: العلاجات العشبية والتعرف على الفطر البري. في كتب الفطر على سبيل المثال، قد يصف الذكاء الاصطناعي فطراً ساماً بأنه صالح للأكل بناءً على أوصاف مختلطة، أو قد يغفل ذكر تفاصيل دقيقة تميز بين الأنواع الآمنة والأنواع المميتة. وفي مجال التداوي بالأعشاب، قد تقترح هذه الكتب جرعات غير دقيقة أو خلطات عشبية تتفاعل بشكل سلبي وخطير مع أدوية أخرى، مما قد يسبب فشلاً عضوياً أو تسمماً حاداً. وقد رصدت تقارير صحفية عالمية أمثلة لكتب تنصح بطرق تحضير تجعل بعض النباتات سامة بدلاً من معالجتها.
المسؤولية وتحديات الرقابة
يواجه عمالقة التكنولوجيا وتجار التجزئة عبر الإنترنت تحدياً كبيراً في فلترة هذا المحتوى. فبينما تتيح سياسات النشر الذاتي ديمقراطية المعرفة، إلا أنها فتحت الباب واسعاً للمحتوى غير المدقق. ورغم قيام بعض المنصات بوضع قيود جديدة على عدد الكتب المسموح بنشرها يومياً، إلا أن الكشف عن النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي لا يزال معقداً. لذا، يشدد الخبراء على ضرورة أن يتحقق القراء من هوية المؤلف وخلفيته العلمية، والاعتماد فقط على المصادر الموثوقة والمراجعة من قبل متخصصين بشريين، خاصة في المجالات التي تمس الصحة والسلامة البدنية بشكل مباشر.
إن الاعتماد على التكنولوجيا في البحث والمعرفة أمر لا مفر منه في العصر الحديث، ولكن عندما يتعلق الأمر بصحة الإنسان، فإن المراجعة البشرية والخبرة الموثقة تظل هي الخط الفاصل بين الشفاء والخطر.


