كشف مسؤول أمريكي رفيع أن الولايات المتحدة الأمريكية قد طلبت بشكل صريح من الحكومة العراقية قطع جميع علاقاتها مع الميليشيات المدعومة من إيران في العراق. هذا الطلب يأتي في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، حيث يُنظر إلى العراق كساحة رئيسية لهذا الصراع الإقليمي. ونقلت شبكة «إن بي سي» عن المسؤول قوله إن على الحكومة العراقية إصدار بيان واضح يؤكد فيه أن هذه الميليشيات لا تمثل جزءاً من الدولة العراقية أو قواتها الأمنية الرسمية.
وأشار المسؤول الأمريكي إلى أن هذه الميليشيات شنت أكثر من 600 هجوم على منشآت أمريكية في العراق منذ بداية تصاعد التوترات مع إيران في 28 فبراير الماضي. وشملت هذه الهجمات أهدافاً حيوية مثل مركز الدعم الدبلوماسي في بغداد والسفارة الأمريكية، مما يعكس مستوى التهديد الذي تشكله هذه الجماعات على المصالح الأمريكية في البلاد. وتؤكد واشنطن أن استمرار هذه الهجمات يعرض أمن الدبلوماسيين والجنود الأمريكيين للخطر، ويقوض جهود الاستقرار في العراق.
تصاعد التوترات: خلفية تاريخية للعلاقات المعقدة
تأتي هذه المطالب الأمريكية في ظل تاريخ طويل ومعقد من العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق وإيران. فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، شهدت البلاد فراغاً أمنياً وسياسياً سمح ببروز وتنامي نفوذ جماعات مسلحة مختلفة، بعضها تلقى دعماً مباشراً أو غير مباشر من إيران. وقد تعزز هذا النفوذ بشكل كبير بعد عام 2014، عندما تشكلت قوات الحشد الشعبي لمواجهة تنظيم داعش الإرهابي. ورغم أن الحشد الشعبي أصبح جزءاً رسمياً من القوات الأمنية العراقية، إلا أن بعض فصائله، مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء، لا تزال تحتفظ بولاءات قوية لإيران وتعمل أحياناً خارج سيطرة الدولة العراقية المركزية. هذا الوضع المزدوج يضع الحكومة العراقية في موقف حرج، حيث تسعى للحفاظ على توازن دقيق بين علاقاتها مع واشنطن، شريكها الأمني والاقتصادي، وطهران، جارتها ذات التأثير الديني والسياسي العميق.
تأثير الميليشيات المدعومة من إيران على السيادة العراقية
إن وجود الميليشيات المدعومة من إيران في العراق وتصرفاتها المستقلة يمثل تحدياً كبيراً لسيادة الدولة العراقية وقدرتها على بسط سيطرتها الكاملة على أراضيها. فالهجمات المتكررة على المصالح الأمريكية، والتي غالباً ما تتم دون موافقة أو تنسيق مع الحكومة العراقية، تضع بغداد في موقف دفاعي وتزيد من الضغوط الدولية عليها. وقد تجلى هذا الضغط بوضوح في فرض وزارة الخارجية الأمريكية عقوبات على نائب وزير النفط العراقي، علي معارج البهادلي، بتهمة استغلال منصبه لتحويل النفط العراقي لدعم النظام الإيراني. هذا الإجراء يسلط الضوء على مدى تغلغل النفوذ الإيراني في مفاصل الدولة العراقية، ويؤكد على أن واشنطن لن تتهاون مع أي محاولات لتقويض العقوبات المفروضة على طهران.
وفي خطوة تحذيرية، دعت السفارة الأمريكية مؤخراً المواطنين الأمريكيين إلى مغادرة العراق، محذرةً من استمرار الميليشيات في التخطيط لهجمات إضافية ضد المواطنين والأهداف المرتبطة بالولايات المتحدة في جميع أنحاء البلاد. كما عرضت الولايات المتحدة مكافآت مالية كبيرة مقابل معلومات عن قادة في هذه الفصائل المسلحة، مما يؤكد عزمها على استهداف الشبكات التي تعتبرها تهديداً لأمنها ومصالحها. هذه الإجراءات تزيد من تعقيد المشهد الأمني والسياسي في العراق، وتضع الحكومة العراقية الجديدة، التي من المنتظر أن يشكلها رئيس الوزراء المكلف علي الزيدي، أمام تحديات جسيمة في استعادة الثقة الدولية وبسط سلطة الدولة.
مستقبل العراق على المحك: تداعيات المطالب الأمريكية
إن المطالب الأمريكية بقطع العلاقات مع الميليشيات المدعومة من إيران تحمل تداعيات عميقة على مستقبل العراق، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي. محلياً، يواجه العراق خياراً صعباً بين المخاطرة بتصعيد التوترات مع فصائل مسلحة قوية ومؤثرة داخلياً، أو المخاطرة بفقدان دعم الولايات المتحدة، الشريك الحيوي في مكافحة الإرهاب وإعادة الإعمار. هذا القرار سيؤثر بشكل مباشر على استقرار الحكومة وقدرتها على تنفيذ الإصلاحات الضرورية التي يطالب بها الشعب العراقي. إقليمياً، قد يؤدي هذا الضغط إلى إعادة تشكيل التحالفات وتصعيد التوترات بين القوى الإقليمية، مما يجعل العراق ساحة صراع أكبر. دولياً، ينظر المجتمع الدولي إلى استقرار العراق كعنصر أساسي لأمن الطاقة العالمي ومكافحة الإرهاب، وأي تدهور في الوضع قد تكون له تبعات واسعة النطاق. على الحكومة العراقية الجديدة أن تجد طريقة لتعزيز سيادتها، وتوحيد قواتها الأمنية تحت قيادة وطنية واحدة، والعمل على نزع سلاح الميليشيات لضمان مستقبل مستقر ومزدهر للعراق بعيداً عن صراعات القوى الإقليمية والدولية.


