في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، كشفت الإدارة الأمريكية عن طرحها ثلاثة مطالب “صارمة” على إيران، وذلك في محاولة أخيرة لدرء هجوم عسكري محتمل. هذه المطالب، التي تأتي وسط حشد عسكري أمريكي ضخم في المنطقة، تهدف إلى نزع فتيل الأزمة ووضع قيود على طموحات إيران النووية والعسكرية والإقليمية.
تتمثل المطالب الأمريكية الرئيسية في الوقف الدائم لجميع عمليات تخصيب اليورانيوم، وفرض قيود صارمة على مدى وعدد الصواريخ الباليستية الإيرانية، بالإضافة إلى إنهاء دعم طهران للجماعات المسلحة الحليفة لها في الشرق الأوسط. وقد حذرت واشنطن بوضوح من أن الفشل في الاستجابة لهذه المطالب قد يفتح الباب أمام عمل عسكري أمريكي وشيك، وهو تحذير نقلته صحيفة «نيويورك تايمز» عن مسؤولين أمريكيين وأوروبيين.
تصعيد التهديدات الأمريكية وخلفية الأزمة
صعد الرئيس دونالد ترمب بشكل حاد من تهديداته ضد إيران، ملمحاً إلى أنه إذا لم توافق طهران على هذه المطالب، فقد يشن قريباً هجوماً “بسرعة وعنف”. ورغم عدم تقديمه تفاصيل محددة حول الاتفاق الذي يطالب به، إلا أنه أكد أن “أسطولاً ضخماً” في طريقه إلى إيران، مشدداً على ضرورة إبرام اتفاق. هذه التهديدات تأتي في سياق تاريخ طويل من التوتر بين البلدين، والذي تفاقم بشكل كبير بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) عام 2018، وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية المشددة على طهران، في إطار حملة “الضغط الأقصى”.
لقد أدى هذا الانسحاب إلى تراجع إيران تدريجياً عن التزاماتها بموجب الاتفاق، مما أثار مخاوف دولية بشأن برنامجها النووي. كما أن الدعم الإيراني للجماعات المسلحة في المنطقة، مثل حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن والفصائل في العراق وسوريا، لطالما كان مصدراً للتوتر وعدم الاستقرار، مما يضع المنطقة على حافة صراع أوسع نطاقاً.
المطالب الأمريكية وتأثيرها المحتمل
وفقاً للصحيفة الأمريكية، فإن كل مطلب من المطالب الثلاثة من شأنه أن يضعف القوى الإيرانية. المطلب الأول، المتعلق بالتخلي عن كل عمليات تخصيب اليورانيوم، يُعتبر تحدياً كبيراً للمراقبة. فبينما قد تكون مواقع التخصيب الرئيسية مثل نطنز وفوردو قد تعرضت لأضرار جسيمة في السابق (في إشارة إلى حوادث سابقة أو هجمات إلكترونية أو تخريب)، مما يجعل إعادة تشغيلها أمراً صعباً، إلا أن إمكانية تخصيب اليورانيوم في مواقع صغيرة يسهل إخفاؤها تظل قائمة. وحتى الآن، لا توجد أي مؤشرات على أن إيران نجحت في الوصول إلى اليورانيوم المخصب المدفون في الأعماق، بحسب مسؤولين في الاستخبارات الأمريكية والأوروبية.
أما المطلب الثاني، المتعلق بالحد من مدى وعدد الصواريخ الباليستية، فيعتبر حاسماً للأمن الإقليمي. فمن شأن هذا القيد أن يجعل من المستحيل تقريباً على إيران ضرب الأراضي الإسرائيلية، التي تعتبر هذه الصواريخ آخر رادع في ترسانتها ضد أي هجوم إسرائيلي محتمل. ورغم أن هجوماً إسرائيلياً واسع النطاق لا يبدو وشيكاً في الوقت الراهن، إلا أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هدد بشن هجمات جديدة إذا أعادت إيران تسليح نفسها أو واصلت تهديداتها.
المطلب الثالث، المتعلق بقطع الدعم عن القوى الحليفة، قد يكون الأسهل على إيران الامتثال له، وإن كان له تداعيات استراتيجية كبيرة. فالاقتصاد الإيراني يعاني من ضعف شديد، وتراجعت العملة إلى مستويات دنيا جديدة، مما قلص قدرة الحكومة على الإنفاق على حلفائها السابقين الذين يواجهون هجمات إسرائيلية مكثفة. هذا الوضع الاقتصادي المتدهور قد يدفع طهران لإعادة تقييم أولوياتها الإقليمية.
غياب حماية المتظاهرين وتداعيات دولية
من اللافت للنظر غياب أي إشارة في هذه المطالب الثلاثة، أو في منشورات ترمب الأخيرة، إلى حماية المتظاهرين الذين خرجوا إلى الشوارع في إيران في ديسمبر الماضي. فبينما وعد ترمب في منشورات سابقة بتقديم العون لهم، إلا أنه لم يأت على ذكرهم تقريباً خلال الأسابيع الأخيرة، مما يثير تساؤلات حول أولويات الإدارة الأمريكية في هذه الأزمة. هذا التجاهل قد يثير انتقادات من منظمات حقوق الإنسان والمجتمع الدولي.
يبدو أن الرئيس ترمب يشعر بالزهو بعد النجاح الأولي في فنزويلا، إذ كان من الواضح أنه يهدد رأس النظام الإيراني بشكل مماثل، في محاولة لترهيب القادة إضافة إلى الحرس الثوري الإيراني. وقبل أسابيع قليلة، بدا أن ترمب على وشك القيام بعمل عسكري، لكنه علقه فقط بعد تلقيه تأكيداً من إيران بأنها لن تعدم من قال إنهم 800 متظاهر كان من المقرر إعدامهم. هذه الديناميكية تسلط الضوء على التعقيدات الدبلوماسية والعسكرية المحيطة بالملف الإيراني، وتأثيرها المحتمل على استقرار المنطقة والعلاقات الدولية.
إن تداعيات هذه الأزمة تتجاوز الحدود الإقليمية، لتشمل أسواق الطاقة العالمية، حيث يمكن أن يؤدي أي تصعيد عسكري إلى ارتفاع أسعار النفط بشكل كبير. كما أنها تضع على المحك جهود منع انتشار الأسلحة النووية، وتؤثر على مصداقية الدبلوماسية الدولية في التعامل مع الدول التي تسعى لامتلاك قدرات نووية. المجتمع الدولي يراقب عن كثب تطورات الأوضاع، آملاً في حل دبلوماسي يجنب المنطقة والعالم صراعاً مدمراً.


